Alsaidia_455_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
237
والذي يختصر وقائع الفتن المؤلمة لكل مسلم هو ما قاله ابن الأثير: «جرى بأصفهان بين الشافعية والحنفية من الحروب والقتل والإحراق والنهب ما يجل عن الوصف، وكان قاضي البلد رأس الحنفية، وابن الخُجَندي رأس الشافعية، وكان بمدينة الري أيضا فتنة عظيمة بين السنية والشيعة، وتفرق أهلها وقتل منهم وخربت المدينة وغيرها من البلاد (594).
أخي القارئ الكريم، إنه ليؤلمني، ويكاد قلمي لا يطاوعني على نقل هذه العبارات التي وجدتها في تاريخ ابن الأثير، ولكن ماذا نفعل ونحن نشخص الداء الذي أصاب أفراد هذه الأمة الطاهرة؟، إلا أن نقول: إن معرفة أسباب تلك الفتن والسعي لتفادي حدوثها في قادم الأيام شيء واجب، هذا فلا ينبغي لنا الوقوف عند تلك الأحداث إلا بقدر ما نأخذ منها ومع الدروس والعبر (595)، وإن أجيال المسلمين لا بد لهم أن يعرفوا أن ما أصاب المسلمين من هوان ومن تكالب الغزاة عليهم إنما كان من نتائج الفتن، التي دمرت حصون المسلمين من الداخل في وقت كانت تطرق فيه فلول التتار أبواب الديار المسلمة من الخارج، وتصول وتجول في ديار الإسلام دون رادع.
تلك
(594) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 525 - 526، ومما نقله ابن الأثير أيضاً: « … وقع بأصفهان فتنة عظيمة بين صدر الدين عبد اللطيف بن الخجندي وبين القاضي وغيره من أصحاب المذاهب، بسبب التعصب للمذاهب، فدام القتال بين الطائفتين ثمانية أيام متتابعة قُتل فيها خلق كثير، واحترق وهدم كثير من الدور والأسواق، ثم افترقوا على أقبح صورة» (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 319).
(595) ومما قاله الدكتور محمد بن موسى الشريف حول مهمة المؤرخ ما نصه: «إحسان عرض التاريخ: المقصود بهذا هو ألا يسرد المؤرخ أحداث التاريخ سرداً مجرداً من عبرها وعظاتها، ولا يكتفي بعرض تواريخ الأمم دون الوقوف على مواطن الفساد فيها، وذلك حين يكون العرض التاريخي معيناً في التقويم والتوجيه للمجتمعات … ». (إعداد المؤرخ
الثقة،
ص 92).