المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_455_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٨٤

284

المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ

وليعلم الجميع أن الإباضية لا يَدَّعون احتكارهم لهذه المثل العالية والأخلاق السامية لأنفسهم، بل عاشوا كما عاش إخوتهم الشرفاء من أبناء هذه الأمة الطاهرة عبر أطوار التاريخ على منهاج الإسلام، فكانت منحة الله لهم مناعة صانتهم عن الانزلاق في دركات الظلم والجور والطغيان في أرض الله تعالى وروحاً زكية رفعوا بها في سماء الإسلام الخالد. ففي الوقت الذي سَخَّر فيه بنو أمية وبنو العباس ومن لف في لفيفهم قوتهم الطاغية في القتل والنهب والسبي للمسلمين، فإن الشرفاء من أبناء هذه الأمة سعوا إلى رفع ظلم الطغاة عن كاهل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم عند مناهضتهم للظلم والطغيان لم يلتفتوا إلى نعيق الضعفاء ومرضى النفوس من الكتاب الذين وصفوهم بالخوارج ظلماً وزوراً.

فالفرق جد شاسع بين من علم وعمل بإخلاص وجد، وبين من عرف الحق ولكنه تدحرج بإفساده في دركات الظلم والجور. فهل سيدرك الكتاب، من خلال ما يقرؤونه، هذه الحقيقة ويعطوا كل ذي حق حقه؟ أم سيغلبهم الهوى فتنطق ألسنتهم بالكذب على عباد الله؟

نعم إن طبيعة الإنسان أن يكون حراً وأن يريد كونه كذلك، ولكن من طبيعته أيضاً أن يتطبع بما نشأ عليه لنقل إذن إن ما درج الإنسان عليه وتعوده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي» (678). لم يختر ابن الأثير ومن سار على دربه السير في مسالك الحرية عند كتاباتهم عن الإباضية، ولكنهم يا للأسف ـ درجوا على ما تطبعوا عليه فكانوا أسارى لاستبداد أفكار الطغاة وأقوال الضعفاء من المؤرخين، فأنى يأتي الرشد والصدق والصواب من قوم هذه طبيعتهم؟

لقد

سمع

الإباضيون، كما سمع إخوانهم المخلصون من أتباع المذاهب

الأخرى، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ،

(678) كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد، ص 69 - 70.