Alsaidia_455_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦286
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الكريمة الطاهرة بتلك القاذورات من الأعمال التي حذر منها الإمام علي كرم
الله
وجهه وانغمس فيها غيرهم
(682)
ولقد بقي الإباضيون على العهد فساروا على توجيهات الإمام علي العالية الرفيعة وطبقوها في ميادين النزال على من نازلهم واعتدى عليهم. وأصبحت هذه الأقوال المأثورة جواهر في صحائفهم النيرة تتربى عليها أجيالهم، وتزود بها الشراة الساعون في الأرض لأجل الحق.
والإباضية وإخوانهم من أبناء هذه الأمة الطاهرة يملكون هذه التوجيهات الربانية والنصائح النبوية والمثل العالية الرفيعة كعقيدة راسخة أخذوها بحقها، فعرفوها حق المعرفة من مصادرها الصافية، وعُرفوا بآثارها على أرواحهم وأجسادهم، وأيقنوا أن مثلهم الأعلى يأمرهم بتجسيدها في واقع الحياة قبل أن تحبر على الأوراق (83)، وعلموا علم اليقين أن هذا لم يكن في الإسلام تنظيراً فحسب، وإنما كان منهجاً عملياً طبق تطبيقاً دقيقاً
(682) فمن وصايا الإمام علي كرم الله وجهه لجنوده: « … فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تُجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تُمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً ولا تأخذوا شيئا من أموالهم، ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس» (الكامل في التاريخ، ج 3 ص 293)، وجاء عنه كرم الله وجهه أيضاً: « … فكف علي يده حتى بدءوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر فما غربت الشمس وحول الجمل أحد، فقال علي: لا تتمموا جريحاً ولا تقتلوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن) (الخلافة الراشدة والدولة 508، نقلاً عن مصنف ابن أبي شيبة ج 15/ ص 286).
الأموية، ص (683) وبهذا المعنى يقول الفيلسوف والكاتب الفرنسي غستاف ليبون: «المعتقدات الدينية الأخلاقية أو السياسية لا تكتسب سلطتها إلا بعد أن تكون قد تجسدت في مثال أعلى مقبول من الجميع. وحينما يتكيف هذا الأخير مع ضرورات وإمكانيات اللحظة التاريخية فإنه يحدد عظمة أمة ما. وبالعكس من المسار الطبيعي للأشياء فإنه يسبب الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 163).
انحطاطها».