Alsaidia_455_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣١١الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
311
فخذ، على سبيل المثال، «شخصية عبد الله بن سبأ» التي جاء بفكرتها أناس ضعفاء ووضاعون للأخبار، ثم كان سبيل تلك الأخبار إلى كتب التاريخ التي انتشرت في أوساط الناس، وبتكرار ذكر تلك الأخبار في المجادلات والمناظرات بين الناس صار لتك الروايات مكاناً في أذهان الأجيال، حتى جاء دورها لتتبوأ مكانها في عقول حملة الشهادات العليا في الأوساط العلمية. وبعد أن كانت شخصية ابن سبأ وهمية انتهى بها التطواف لتصبح حقيقة تستميت في نصرتها جماهير من الناس ممن صخت أسماعهم من تكرارها والتأكيد عليها عبر القرون الماضية.
وبإعادة تدوير الكتاب لخرافة (745) ابن سبأ في أوساط المجتمعات المسلمة وتأكيدهم عليها عبر القرون الماضية صارت تلك الخرافة، التي لا أساس لها في واقع التاريخ، وكأنها حقيقة لا تقبل الشك في وجودها، ولا تخالط أحداثها ريبة. لقد أدخلوها في أوساط المسلمين بتكرارهم «المجرد والعاري من كل محاجة عقلانية أو «برهانية»، ولهذا صارت تلك الخرافة تخالط أفكار الجماهير وأصبحت لها هيبة على عقولهم حتى ولو جاء البرهان بأدلته الدامغة على فسادها وبطلان وجودها من على وجه الأرض. وهكذا انتشرت شخصية «ابن سبأ الخيالية، التي أفرزتها أفكار الكذابين، تماماً كما تنتشر أحياناً الآراء والعقائد بواسطة آلية العدوى وليس بواسطة المحاجة العقلانية إلا في القليل النادر
(746)
(745) انظر كتابنا (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، الفصل الثالث (746) سيكولوجية الجماهير، ص 135. ومن الأمثلة التي ساقها عالم النفس الفرنسي لتوضيح مدى تأثير تكرار الإشاعة في أوساط الناس هي قوله: «ومن كثرة ما يكررون في نفس الصحيفة أن (أ) هو وغد حقير وأن (ب) هو رجل نبيل وشريف فإن الأمر ينتهي بنا إلى تصديق ذلك ما دمنا لم نقرأ صحيفة أخرى ذات رأي مضاد تماماً للأول» (سيكولوجية
الجماهير، ص
(133