المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_455_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

324

المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ

ولقد أثبت هذا البحث أن الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية قد اضطربت عندهم المقاييس، ولم يراعوا للكلمة الصادقة حقها، ولم يلتفتوا إلى الجرائم التي ارتكبتها أيد منسوبة إلى التيار الأموي والعباسي، في وقت يفترون فيه على أهل النهروان والإباضية، وينسبون إليهم أحداثاً باطلة وأقوالاً زائفة.

ولقد أكد هذا البحث على أن المذاهب الإسلامية في تعاليمها، القائمة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم وإجماع الأمة في أي عصر من العصور، هي الميزان الذي توزن به مسالك الناس في هذه الحياة الدنيا وما تقترفه أيدي الأتباع مما ينكره الشرع إنما هو عمل لا تربطه بأسس تلك المذاهب أي رابطة، إذ جميع المذاهب الإسلامية التي انتسب إليها أولئك الذين أفسدوا في ديار المسلمين بريئة منهم ولا تقر أعمالهم، فلا يصح شرعاً تحميل المذاهب الإسلامية أوزار أتباعها إذا خالفوا مبادئها وقيمها وما تدعو إليه من أخلاق.

، وظاهرة الكُتّاب الذين تقولوا على أهل النهروان والإباضية ظاهرة مدهشة، فهم حينما يتحركون كأفراد تظهر على ألسنتهم الدعوة إلى قول الحق والعمل به ولكنهم حينما ينضوون في جمهرة من الناس تتشكل لديهم نفسية جماهيرية واحدة ويتحولون إلى أبواق تُكَبِّرُ صدى ما رددته أفواه الكذابين والوضاعين والضعفاء. وهذه النفسية التي أطلق عليها (سيكولوجية الجماهير) لم يكن ابن الأثير وحده من تأثر بها، فهناك من العلماء من سار في اتجاه معاكس لما تدعو إليه مناهج الأمة حينما تكلم عن أهل النهروان الكرام. فالإمام الشيخ محمد عبده قد أجاب سائله (766) عن الراوي محمد بن عمر الواقدي بقوله: «لم يرْزَأ الإسلام بأعظم مما ابتدعه المنتسبون إليه، وما أحدثه

(766) الأعمال الكاملة للشيخ الإمام محمد عبده، ج 2 ص 413.