Alsaidia_93_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
17
يُطْلِقْهُ مَعَ رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَكِنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْتَكِنْ لِذَلِكَ، بَلْ رَمَى بِصَدْرِ نَاقَتِهِ إِلَى الْحِجَازِ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُنيك لها﴾ [فَاطِرَ:2]. حَتَّى بَلَغَتْ بِهِ الْمَوْسِمَ نَهَارَ عَرَفَاتٍ، وَهُنَاكَ ضَرَبَتْ يجرَانِهَا الْأَرْضَ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ، فَمَا كَانَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ أَمَرُوهُ بِذَكاتِهَا تَدَارُقًا لِحَيَاتِهَا لِلانْتِفَاعِ بِلَحْمِهَا ظَنَّا مِنْهُمْ أَنَّ مَصِيرَهَا الْمَوْتُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ كَانَ وَفِيًّا لَهَا كَمَا كَانَتْ وَفِيَّةٌ لَهُ، فَقَالَ قَوْلَتَهُ الْمَشْهُورَةَ فِيهَا: "حَقِيقُ لِنَاقَةٍ رَأَتْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ بِالْبَصْرَةِ أَلَّا يُفْعَلَ بِهَا هَذَا" (1).
فَعَلَ هَذَا جَابِرُ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: الْآنَ أَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ عَلَى يَتِيمِ أَوْ مِسْكِينٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (2)؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَى مَوْسِمِ الْحَجّ كُلَّ عَامٍ لأَدَاءِ شَعِيرَةِ الْحَجّ فَقَط وَإِنَّمَا كَانَ يَذْهَبُ لِلالْتِقَاءِ بِأَهْلِ دَعْوَتِهِ وَأَصْحَابِ مَذْهَبِهِ لِيُفْتِيَهُمْ أَوَّلًا، وَلِيُنَاقِشَ مَعَهُمْ أُمُورَ الدَّعْوَةِ، تَخْطِيطًا وَعَمَلًا
ثانيًا؛ لِيُقَيِّمُوا خُطَةَ سَنَةٍ مَضَتْ، وَلِيَرْسُمُوا خُطَّةَ سَنَةٍ أَقْبَلَتْ.
وَمِنْ هُنَالِكَ صَارَ وُجُودُ مُفْةٍ إِبَاضِي لِلْحُجَّاجِ الْإِبَاضِيَّةِ فِي مَوْسِمِ الْحَجّ مَنْهَجًا تَقْلِيدِيَّا سَارَ عَلَيْهِ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْإِمَامِ جَابِرٍ، كَأَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَة، وَبَعْدَهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ الْفَرَاهِيدِيُّ، وَبَعْدَهُ وَائِلُ بْنُ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيُّ،
وبَعْدَهُ مَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيلِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.
(1) الشماخي، أحمد بن سعيد، السير، ج 1، ص 68، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. (1) يحي بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، ص 64، على أن هذا القول هو الذي ينبغي للناس الأخذ به بدلاً من تكرار الحج والعمرات.