Alsaidia_93_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٣التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
23
حَمَلَةُ الْعِلْمِ
تَمَيَّزَ عَهْدُ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِتَكْوِينِ الْبَعَثَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ تِلْكَ البعثات إلى الْبَصْرَةِ حَيْثُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمَعْهَدُهُ الْمَيْمُونُ لِتَلَقَّى الْعِلْمِ، وَمَعَ ذَلِكُمُ الْإِمَامِ وَفِي ذَلِكَ الْمَعْهَدِ وَلِكَوْنِ تِلْكَ الْبَعَثَاتِ يَتَكَوَّنُ كُلُّ مِنْهَا مِنْ عَدَدٍ مِنَ الطَّلَبَةِ، فَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ عَوْدَتِهِمْ إِلَى بُلْدَانِهِمُ اسْمُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ"، فَهُنَاكَ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَهُنَاكَ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ.
أَوَّلًا: حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ:
كَانَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرَاقِبُ الْأَوْضَاعَ الْعَالَمِيَّةَ، وَكَانَ يَبْلُغُهُ تَصَرُّفَاتُ السُّلْطَةِ الْأُمَوِيَّةِ الجَائِرَةِ، وَبِالتّالي كَانَ يَبْلُغُهُ أَيْضًا تَذَمُّرُ الْأَمَازِيغِ مِنْ تِلْكَ السُّلْطَةِ وَمِنْ جَوْرِهَا حَتَّى هَمُّوا بِتَرْكِ الْإِسْلَامِ، وَهُنَا رَأَى إِرْسَالَ وَاحِدٍ مِنْ طَلَبَتِهِ النُّجَبَاءِ، أَلَا وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ، فَخَرَجَ سَلَمَهُ مُسْتَخْفِيًا عَنْ أَنْظَارٍ السُّلْطَةِ يَفْتَحِمُ الْوَهَادَ وَالْجِبَالَ حَتَّى وَصَلَ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، فَأَخَذَ يَنْتَقِلُ فِيهَا مِنْ مِنْطَقَةٍ إِلَى أُخْرَى مُبَيِّنًا لِلْأَمَازِيغِ عَدْلَ الْإِسْلَامِ، وَرَحْمَةَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْمُمَارَسَاتِ الَّتِي تُمَارَسُ ضِدَّهُمْ مِنَ الْمُتَسَمِّينَ بِالْإِسْلَامِ لَيْسَتْ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَوَجَدَتْ دَعْوَتُهُ صَدَاهَا لَدَيْهِمْ. وَبَعْدَ أَنِ اطْمَأَنُوا إِلَيْهِ عَمَلًا، وَصَدَّقُوهُ قَوْلًا، رَأَى تَكْوِينَ بِعْثَةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَإِرْسَالَهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ بِالْعِرَاقِ لِلِالْتِحَاقِ بِأَبِي عُبَيْدَةَ وَمَعْهَدِهِ لِلتَّزَوُّدِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالدَّافِعِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَاخْتَارَ أَفْرَادَهَا مِنْ مَنَاطِقَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْبِلَادِ