المدخل إلى المذهب الإباضي أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_93_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٧

التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ

47

-2

بَعْدَ أَنْ خَيَّرَ أَصْحَابَهُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ الْمُخْلِصَةِ فِي الْجِهَادِ أَوِ الانْسِحَابِ الشَّرِيفِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ، حَيْثُ فَضَّلَ الْكَثِيرُ مِنْهُمُ الانْسِحَابَ، فَبَقِيَ فِي سِتَّةِ آلَافٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ زَحَفَ إِلَى

الْقَيْروَانِ.

غَيْرَ أَنَّهُ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا عَرَّجَ إِلَى قَابِسٍ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، ثُمَّ زَحَفَ عَلَى

الْقَيْروَانِ.

اسْتَعْمَلَ أَبُو الْخَطَابِ الخُدْعَةَ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ الَّتِي ضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِصَارَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنْ أَمَرَ جُنُودَهُ بِالانْسِحَابِ لَيْلًا فِي صُورَةٍ هرُوبٍ مِنْ ضَرْبِ الْحِصَارِ، وَاتَّخَذُوا مَكَانًا خَارِجَ الْقَيْرِوَانِ فَكَمِنُوا هُنَالِكَ، فَطَمِعَ أَهْلُ الْقَيْروَانِ فِي اللَّحَاقِ بِهِمْ لِهَزِيمَتِهِمْ وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُمْ مَا أَنْ وَصَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ حَتَّى نَهَضَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْخَطَابِ وَأَصْحَابُهُ، فَانْهَزَمَ الْقَيْرِ وَانِيُّونَ وَوَلُّوا هَارِبِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَتَبَّعَهُمْ أَبُو الْخَطَابِ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ

وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَجَعَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رُسْتُم وَالِيَّا عَلَيْهَا. ضَرَبَ أَبُو الْخَطَابِ صُوَرًا رَائِعَةٌ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الانْتِقَامِ

فِي حَرْبِهِ لِلْقَيْروَانِ، مِنْهَا:

أ- أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَتْبَعُوا مُدْبِرًا وَلَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيجٍ. ب - قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَتَأْكُلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَمَا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَنَا؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ فَعَلْنَا كَمَا فَعَلُوا فَحَقُّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرْفُضَنَا

وَيُدْخِلَنَا مَعَهُمْ جَهَنَّمَ فَنَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قَالَ إِدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي إِلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ