Alsaidia_109_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧القرآن المتلو المكتوب متجسد في النبي الا الله وكأن القرآن يمشي على الأرض بمشيه، في كل مناحي الحياة، لأنه مصدر الكمالات الإنسانية ومنبعها، ولأنه مسدّد بالوحي، ومسدّد بتوفيق الله تعالى قبل أن ينزل عليه الوحي، فقد عاش في بيئة شرك في مكة المكرمة، في بيئة صعبة بما فيها من فسوق وعبادة للأصنام إلى غير ذلك، ولكن الله تعالى عصم نبيه، قبل أن يوحي إليه، وحتى بعد النبوة له أقوال وأفعال ليست بوحي، ولكنها تأتي من منظومة
الوحي. س: حينما نتأمل خلوة النبي الله في غار حراء، وابتعاده عن الناس، يتبادر إلى الذهن سؤال: هل للخلوات دور في تهذيب شخصية الإنسان؟
ج طبعا الإنسان عندما لا يجد البيئة المناسبة له يلجأ إلى العزلة، وهذا يحدث في أي زمان، وكثير من الصالحين والعلماء عندما يرون البيئة غير مهيئة لوجودهم وتحركاتهم تجدهم يبتعدون ويلجؤون إلى العزلة، لما فيها من تفكر وصفاء للنفس وابتعاد عن أسباب الإثم، وهذا ما جعل النبي الهلال الهلال يلجأ إلى غار حراء، ويتحنف أي يأخذ بالحنيفية ويجلس فيه الأيام والليالي يتعبّد ويتحنّث ويشكر الله، ولعله كان عنده شيء من بقايا دين إبراهيم عليه السلام في هذا الجانب، وفي قريش كان هناك عدة أشخاص على دين إبراهيم كورقة بن نوفل وسعيد بن زيد وغيرهما، فالنبي الله بلا شك وجد الراحة النفسية هناك، وكان الله تعالى يهيئه لنزول الوحي وهو في تلك الحالة من صفاء الذهن وصفاء القريحة لاستيعاب عظمة الوحي، ولعله إذا نزل عليه الوحي وهو في مكة ولم يجرّب العزلة لا يستوعب، لعدم استعداده ذهنيا ولكن وجوده في ذلك الغار أياما وليالي مكنه من استيعاب الوحي بثقله، تقول عائشة في: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا»، أي يتصبب عرقا، ليس بالسهل، لأنه شيء ثقيل يحتاج إلى تهيئة نفسية، ولذلك عندما سُئل كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: «أحيانا يأتيني مثل أشده صلصلة الجرس وهو علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»، فقد كان في صفاء من الذهن وصفاء من القريحة واستعداد
17