اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ١٦وربّما نلمس روح ذلك ومعالمه في جرس اللّغة وموسيقاها، وفي دقّة بيانها وبلاغتها، وفي تركيبها وأسلوبها، ممّا يعطي اللّغة خصائص ومميّزات تنفرد بها."(1)
نسج الدّكتور عدنان النّحوي الفقرة السّابقة بكلمات تبرز ما تتميّز به اللّغة من جمال ورونق وبهاء، إلى جانب كونها وعاء للمضمون الفكري والاجتماعي وغيرهما. هذه الكلمات هي: (جرس اللّغة وموسيقاها، دقّة بيانها وبلاغتها، في تركيبها وأسلوبها … ) يدلّ هذا أنّه لا يمكن معرفة كنه اللّغة وتفقّه حقيقتها إلاّ بالغوص إلى أعماقها، والولوج إلى داخلها؛ بركوب مطيّة التّذوّق الفنّي الجمالي. هذا يعني أن تدريس اللّغة ودراستها من الأفضل أن يتمّا عن طريق الأدب: لاستثارة الحسّ وتنميته، وتكوين الذّوق وإرهافه، لإعداد النّفوس فتدرك الجمال وتتملّى الحسن … إنّ الأدب في أحد تعريفاته: كلّ ما عبّر عن معنى من معاني الحياة بأسلوب لغوي جميل. فلابدّ من ركنين في مكوّنات الأدب: معانٍ تثير العاطفة والخيال، وألفاظٌ جميلة تؤدَّى بها هذه المعاني.
التّرابط بين اللّغة والأدب قويّ ومتين، والجمال عنصر مشترك بينهما. هذا الجمال يدرك ويكتشف ويتملّى بالتّذوّق.
- الدّستور (القرآن) الذي صيغ بالفصحى لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربيّة ويملكون ناصيتها.
- " المضمون أو المعنى هو الفكرة السّابقة على الألفاظ؛ من حيث وجودها في ذهن الكاتب. واللّفظ البليغ هو الذي يبرز المعاني إلى الواقع المادي الملموس أو المتخيّل، وقد نسج تنوّع البيئة العربيّة الإسلاميّة وطول عمر الألفاظ وتنوّع التّجربة حالات من المعاني حول ألفاظ اللّغة، أخذت تتراكم مع مرور العصور، فأصبحت اللّفظة واسعة الأفق بعيدة المدى، وأصبحت كلّ لفظة تحمل أطيافًا من المعاني التي أغرم الموهوبون باستعمالها، والتي يسعى المتذوّقون إلى تلمّسها واكتشافها. "(2)
- غزارة المعاني الذي تتضمّنها ألفاظ اللّغة العربيّة، وتراكمها عبر العصور المتعاقبة المتتابعة، في حاجة إلى كشفها ونشرها، ثمّ فهمها واستيعابها والإفادة منها واستلهامها واستثمارها، وقبل ذلك إدراك ما تراكم في اللّفظة الواحدة من دلالات، توفّرت فيها بقوّة ما تملكه من طاقات وقوّة على السّكنى بداخلها. هذه القوّة وهذه الطّاقة اللّتان يمكن لهما أن تنفجرا عن معان كثيرة، ودلالات عميقة، لا تنكشف ولا تخضع إلا للفنّان الذي
(1) - الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي، لماذا اللّغة العربيّة، ط1، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، 1418هـ/ 1998م، ص: 75 76.
(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، ص: 33، 34.