اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٢١2 – يرى أغلب المهتمّين بتدريس اللّغة أنّ يكون تناولها برؤية شموليّة، ما ينتج عن ذلك التّعامل معها بفكر شمولي؛ تبعًا لأنّها محورُ أساسٌ، تدور حولها حياة الإنسان، أي هي تُعنَى بحياته الشّاملة، ومكوّنات اللّغة ومقوّماتها التي تبني كيانها أو تقوم عليها أركانٌ كثيرة، لا يمكن فصلها في تقديمها والكشف عن كنهها. " فهناك شعور عام بالحاجة إلى النّظر إلى اللّغة على أنّها وحدة متكاملة، تترابط فروعها في كلٍّ منسجم، وبالحاجة إلى دراسة اللّغة مرتبطة بأنشطة التّلميذ خارج المدرسة، وبمسايرة اللّغة للتّطوّر العام في المجتمع المحلّي والعالمي، وإلى تجديد الوسائل المستخدمة في تعليمها، وإلى إعداد معلّمها إعدادًا جيّدًا، بتناول نموّه المهني والعلمي."(1)
3 - دراسة أساليب اللّغة بربط أجزائها بعضها ببعض، وهذا لا يكون ولا يتمّ إلاّ في نصوص أدبيّة. يقول محمد المبارك: " … فيدرسون (أي الباحثون) أساليب اللّغة في ربط أجزاء الجملة، وربط الجمل بعضها ببعض، والصّلة بينها وبين ما يقابلها من الدّلالات والمفاهيم، وارتباط هذه المفاهيم في أذهان أهل اللّغة، وهو ما يطلق عليه علماء فقه اللّغة الفرنسيّين ( Syntaxe)، ويقابلها في العربية (نظم الكلام)، وقد استعملها أسلافنا في مثل هذا الموضع للنّثر، كما استعملوها للشّعر .. ،"(2)
4 هي تُعنى بدراسة الألفاظ، والتّراكيب، وتلوين الأسلوب (وبخاصّة إلى خبر وإنشاء والدّافع إلى ذلك، وأثره على المتلقّي وفيه)، والصّنعة الفنّيّة، والموسيقى .. هذه الدّراسة قد يقول قائل هي إلى الدّراسة الأدبيّة الشّاملة تنسب، لا إلى الدّراسة اللّفظيّة .. نقول: إذا كنّا نعدّ اللّفظة هي حجر الزّاوية في بناء النّصّ، بل في البناء الفنّي، والتّحليل والنّقد، والمناقشة كلّها تتمحور حول الكلمات وعلاقاتها في ما بينها .. فإنّ هذا لا يتعارض ولا يتناقض مع مضمون ما يحمله مصطلح دراسة الأسلوب اللّفظي أو فحواه. الغاية من التّركيز عليه، أو الإشارة إليه هو بيان أنّ دراسة اللّغة لا تنفصل عن الدّراسة الفنيّة الأدبيّة .. هذه المنهجيّة في الدّراسة تساعد على تكوين الذّوق الأدبي، الذي يبعد الجفاف والجمود والجفاء عن اللّغة في أثناء تناولها، أو حين التّعامل معها .. اللّفظة نفسها تحمل دلالة إذا كانت في سياق نظم، يحمل تجربة، يقول سيّد قطب: " والتّعبير في اللّغة يشمل كلّ صورة ذات دلالة، ولكنّه لا يصبح عملاً أدبيًّا إلاّ حين يتناول تجربة شعوريّة معيّنة … "(3)
(1) - المرجع السّابق، ص:33.
(2) - دراسة أدبيّة لنصوص من القرآن، ط4، ص: 134.
(3) - سيّد قطب، النّقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1403هـ/ 1983م، ص: 9.