اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي

الجزء ١ · صفحة ٢٢

نثبت في هذه الدّراسة نموذجًا من تحليل آيات سورة (العاديات)(1).

دراسة الأسلوب اللّفظي:

أ – الألفاظ: ورد في النّصّ نوعان من الألفاظ: أحدهما لتصوير المعاني الحسيّة، وكانت واضحة ودقيقة التّعبير (ضبح، موريات، مغيرات، أَثرْن، نقع، وَسَطْن)، أو مصوّرة (بُعثِر). ثانيهما: للتّعبير عن المعاني المجرّدة، وهي معانٍ عامّة (كنود، حبّ الخير، شهيد، خبير).

ب – صياغة الآيات، أو التّراكيب والجمل: كانت الآيات في ترتيبها وتركيبها متناسبة مع الأفكار وخصائصها، كما كان تنوّعها مقابلا لتنوّع الأفكار، وهي على العموم قصيرة في جميع أجزاء الصّورة، متناسبة في قصرها مع سرعة الانتقال في تصوير الحركات، أو مع إيجاز الأفكار في التّحليل النّفسي، ومقتصرة على العناصر الأساسيّة للجملة، خالية من الزّوائد حلوّ الأفكار والمشاهد من التّفصيلات، متناسبة في تنوّعها وانتقالاتها مع تنوّع الموضوع، من فعليّة غير مؤكّدة في القسم الأوّل، إلى اسميّة مؤكّدة في القسم الثّالث.

ج – الموسيقى: تنقسم موسيقى السّورة إلى نغمات عدّة متناسبة مع أقسام النّصّ من الوجهة الفكريّة والنّحويّة. فالقسم الأوّل يتألّف من خمس فقرات موسيقيّة ذات نغمة واحدة، تقلّ فيها المدود، وتتوالى حروفها المتحرّكة، ممثّلة بذلك حركة الخيل في عدوها ووقع حوافرها، ثمّ ارتفاعها. والقسم الثّاني: أطول نفسًا، وأكثر مدودًا، وكأنّه يشير بمدوده الطّويلة إلى التّأمّل الطّويل والهدوء النّفسي (كنود، شهيد، شديد)

والقسم الثّالث: يجمع بين المدود الطّويلة في بعض أجزائه (أفلا يعلم إذا) وتوالي الحبكات في كلمات أخرى (بُعْثِرَ).

أمّا القسم الأخير: فإنّه ذو نغمة هادئة، ناشئة عن المدود والميم السّاكنة والتّنوين، ويلاحظ أنّ لبعض ألفاظ السّورة حرْسًا موسيقيًّا واضحًا مناسبًا لمعناها، مثل كلمتي (قدحًا ونقعًا)، المناسبتين لوقع حوافر الخيل، وكلمة (بُعثِر) المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل كلمة (حُصِّل) الدّالة بصادها المشدّدة على شدّة التّقصِّي والجمع.

هذا التّناول للّغة انطلاقًا من اللّفظة وسياقها ومجاورتها لغيرها في نظم محكم، وتحليلها بما تتوفّر عليه من فنّية وجماليّة ودقّة في التّعبير والتّصوير، يبيّن أنّ اللّغة تبرز على حقيقتها إذا تُنووِلت في عمليّة شاملة لفروع

(1) - ينظر في الدّراسة الأدبيّة تذوّق النّصّ الأدبي، ص: 20، 28، 29.

٢١ / ٥٥