اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي

الجزء ١ · صفحة ٢٣

كثيرة من مكوّنات اللّغة ومقوّماتها، إذ بذلك تستثار ملكة الحسّ، وتستفزّ غريزة التّذوّق، فتتعاونان على استخراج مكامن الجمال في النّصّ المبني والمؤسّس من الألفاظ منتظمةً في جمل ..

هذه العمليّة تمثّل ما يسمّى بالأسلوب، الذي هو الطّريقة التي يعتمدها الأديب في تأليف كلامه للتّعبير والتّصوير. وفيه تظهر براعته، ويبرز إبداعه، ويتشكّل ذوقه .. " والأسلوب أفضل معرض لقوّة الإدراك ويقظة الشّعور، وحسن الذّوق .. ولا يتأتّى لامرئ أن يكون ذا أسلوب أصيل جميل، إلاّ بعد مران طويل، ومطالعة لا تفتر لأجود الآثار الأدبيّة، وتنمية للذّوق، وفهم لحقيقة الأدب، وتمييز للأساليب، واستعداد للإبداع في هذا المجال."(1)

إنّ دراسة الأسلوب تعني تناول نوعه وجماله وحسنه، وطبيعته وصناعته، وقوّته، ومدى تفنّن الأدباء فيه: إبداعا وإمتاعًا وبيانا وبلاغة … وما يكون فيه من سلبيّات … هذه النّواحي يهدي إليها الذّوق السّليم.

الكلمات التي ضمّنها الكاتب لبيان حقيقة الأسلوب، ومكانته في الكتابة، تبيّن دور الذّوق الأدبي في عمليّة التّعبير والتّحبير والتّصوير، إلى جانب عبارتَي: حسن الذّوق، وتنمية الذّوق، وردت العبارات الآتية: (قوّة الإدراك، أسلوب أصيل جميل، فهم لحقيقة الأدب، تمييز دقيق للأساليب، استعداد للإبداع … ) هذه العمليّات لا يهدي إليها سوى الذّوق السّليم .. هذا دليل آخر يؤكّد دوره في تطوير الأداء الفنّي، انطلاقًا من اللّفظة. والتّذوق نفسه ينمو ويترقّى بالإفادة من تلك العمليّات. وكتابة النّصّ هو بناؤه وإنشاؤه، واللّفظة تعدّ جزءًا من بنيته، الذي لا يمكن تحليله إلاّ بكلّ أجزائه المكوّنة له. يقول الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل: " والبنية في النّقد الحديث مجموعة متشابكة من العلاقات، تتوقّف فيها الأجزاء على بعضها، وترتبط كلّها بالنّصّ لتشكّل وحدة عضويّة، وحين ندرس البناء الفنّي للنّصّ فإنّنا ندرس عباراته وصوره وموسيقاه وأفكاره وتركيباته اللّغويّة والعواطف وعلاقة كلّ ذلك بعضه ببعض. وعليه فإنّ بناء النّصّ أوسع وأشمل من الأسلوب، الذي هو نسيج لغوي."(2)

(1) - البلاغة والتّحليل الأدبي، ص: 209، 210.

(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 19، 20. ينظر الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الأدب وفنونه، ط5، دار الفكر العربي، 1973م، ص: 26، 27. والدّكتور صلاح فضل، نظريّة البنائيّة في النّقد الأدبي، ط3، دار الشّؤون الثّقافيّة العامة، بغداد، 1987م، ص: 296، 297.

٢٢ / ٥٥