اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٢٥يقول ابن الأثير: (البلاغي والنّحوي يشتركان في أنّ النّحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللّغوي، وتلك دلالة عامّة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدّلالة، وهي دلالة خاصّة، والمراد بها أن تكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء الإعراب) "(1)
تضافر النّحو مع البلاغة في الدّرس اللّغوي، يقدّم الدّلالة المعنويّة الحقيقيّة للألفاظ ملفوفةً في ثوب قشيب بديع، يبرز حسنها وبهاءها، وجماليّتها التي تحتويها، وبذلك يستمتع المعنيُّ بهذا الدّرس بنشوة استكناه لبّ الكلمة وما يختزن بداخلها، هذه العمليّة تعين ذوقة على النّموّ والسموّ، والرقيّ …
6 – أفضل طريقة لتحصيل اللّغة وتحصينها هي معرفة القضايا النّحويّة في تفاعل تامّ مع القضايا الأخرى البلاغيّة والصّرفيّة داخل السّلسلة الكلاميّة، بعيدًا عن القواعد الجافّة والتّقديرات الافتراضيّة .. إنّ ما يثقل كاهل المتعلّم، ويتعب نفسه ويرهقها ويزرع فيها الملل والاشمئزاز من تعلّم اللّغة … ما يجده من جفاف في أساليب تعليمها، وجمود في طرق تلقينها، والإكثار من التّهويمات والافتراضات اللّغويّة؛ فتغدو اللّغة أمامه قوالب جاهزة جامدة، أو قواعد صارمة مفترضة، يتعب عقله في إدراكها، ويشقى خياله في تصوّرها .. بينما حين تقدّم هذه القواعد في تفاعل وتلاقح وتناغم وتحاور مع بقيّة فروع اللّغة، فإنّ هذا التّفاعل ينتقل إلى داخل نفس المتعلّم فينفعل انفعالا إيجابيًّا، يدفعه إلى البحث عن أسرار هذه اللّغة ومقوّماتها، ومنها الجمال الذي يقبع داخلها؛ بفضل المعارف التي تمدّه بها فروع اللّغة المختلفة. يقول الدّكتور محمد القاسمي، بعد أن عاب على المناهج التّربويّة في مختلف المستويات التّعليميّة الفصلَ في الدّرس اللّغوي بين هذه الفروع: " … فالبلاغي محتاج قبل تحليل النّصّ الفنّي والكشف عن أسراره الجماليّة إلى معرفة اللّغة التي يريد أن يخاطب بها من مفرداتها وتركيبها، فإذا لم يعلم ذلك لم يكد كلامه أن يفهم، وهذه المعرفة تحصل له من علم اللّغة والنّحو، فإن حاول تكلّم اللّغة من دون هذه المعرفة الضّروريّة كان كلامه كما قال الحطيئة وهو يتحدّث عن الشّعر: (يريد أن يعربه فيعجمه)، ولكنّه إذا علم اللّغة والنّحو والصّرف فإنّه يستطيع أن يعبّر عن حاصل المراد وأصل المعنى."(2)
(1) - الدّكتور محمد القاسمي، " تفاعل النّحو والبلاغة في تحصيل اللّغة العربيّة "، كتاب: العربيّة الرّاهن والمأمول، منشورات المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر، 2009م، ص: 449. ينظر ابن الأثير، المثل السّائر في أدب الكاتب، ج1، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، المكتبة العصريّة للطّباعة والنّشر، صيدا، لبنان، 1990م، ص: 39.
(2) - اللّغة العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 449. يفرّق الدّكتور شكري فيصل بين تعليم اللّغة واكتسابها. يقول: " اكتساب اللّغة لا تعليمها .. والاكتساب لا يكون في ساعة واحدة من ساعات اللّيل والنّهار، ولا يكون في بيئة ضيّقة صغيرة، إذا قيست بالبيئات الطّويلة العريضة، التي يتقلّب فيها الإنسان العربي. اكتساب اللّغة هو معرفة أقصر الطّرق إلى ممارستها في كلّ حالات الوجود اليومي، وفي كلّ المواقف والمواقع .. وما نفعله الآن لا يعدو أن يكون تعليمًا جزئيًا، يرمي به الطّالب فور خروجه من قاعة الامتحان .. هذا إذا استطاع أن يحمل منه شيئًا." (الدّكتور شكري فيصل، " قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، بحث في الإطار العام للموضوع "، كتاب: من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، المنظّمة العربيّة للتّربيّة والثّقافة والعلوم، تونس، 1990، ص: 44.)