اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٢٩هذا أحد المظاهر الذي يبيّن دور اللّغة العربيّة في الارتقاء بالذّوق الأدبي؛ لأنّ الاستعمال الصّحيح لهذه الإمكانات يخضع للذّائقة الأدبيّة التي يتوفّر عليها الأديب، فتهديه إلى حسن استعمال الزّخارف الصّوتيّة واللّفظيّة من دون الشّطط فيه؛ فلا يبتعد الفنّان عن روح الأدب الحقّ، ويصبح ما ينتجه لهوًا أو عبثًا، أو عملا لا طائل منه.
7 – تحتاج اللّغة العربيّة إلى توفير وسائل كافيّة لتعلّمها وإتقانها، ومعرفة خصائصها وأسرارها، وتذوّق جماليّاتها … فإنّ ذلك يعين على النّموّ الفكري والوجداني والنّفسي للمتعلّم، فينجذب إليها، ويرغب فيها، ويرتبط بها. يقول أيمن مصطفى حجازي عن اللّغة العربيّة هي: " … أداة تعبيريّة طيّعة حيّة، تبلغ ذروتها حين يعمد النّاطقون بها إلى التماس الجمال الفنّي في تعبيرهم بها، وفي التّألّق والازدهار والقوّة والقدرة على مسايرة ركب التّقدّم في كافة الميادين."(1)
8 - ارتباط اللّغة بالأدب ارتباط عضوي، في مجال التّكوين والإعداد، أي لا يمكن النّجاح في عمليّة الارتقاء بالجانب اللّغوي في الفرد ما لم تَتَسَيّج بالأدب، وتستند إليه. إنّ الأدب: " تعبير مبدع عن الذّات بلغة مؤثّرة، أو إعادة صياغة للحياة بلغة مؤثّرة. فنلاحظ أنّ اللّغة عنصر أوّلي وأساسي في الأدب، إذ لولاها لكان التّعبير عن الذّات بطريفة أخرى كالرّسم، أو النّحت أو الموسيقى .. وهذه فنون غير فنّ الأدب، مع أنّها تلتقي في التّعبير عن الذّات … "(2)
يقول الدّكتور محمد القاسمي: " … ومن هنا فإنّ تقوية مناعة اللّغة العربيَة وتحبيبها إلى نفوس الطّلبة في مختلف مراحل التّعليم تتطلّب جانبين أساسيّين: الجانب اللّغوي العلمي والجانب الأدبي الفنّي. ولا شكّ أنّ تفاعل المادة العلميّة اللّغويّة بالمادة الأدبيّة بشكل يرتبط فيه التّراث بالحداثة، والأصالة بالمعاصرة، ثمّ تكاملهما في أيّ درس تربوي، من شأنه أن يمنح الدّرس اللّغوي نفسًا جديدًا، وإقبالاً كبيرًا من جانب الطّلاّب والمتعلّمين بشكل عام. وذلك لأنّ روافد العلوم اللّغويّة تمكّن الطّالب من تناول فروع اللّغة ومستوياتها المختلفة بالدّرس والتّحليل؛ وَفق منهجيّة تربويّة منظّمة. كما أنّ روافد الدّراسات الأدبيّة تمكّن الطّالب من تناول الجوانب الجماليّة للغة، وما لها من تأثير فاعل على نفوس الطّلبة ووجدانهم .... "(3) فدرس الأدب ضروري لتعلّم اللّغة العربيّة، وتذوّقها والانجذاب إليها.
الأدب ودوره في تعلّم اللّغة والتّفقّه فيها
تكشف اللّغة العربيّة حقيقتها، وتُظهر جمالها في النّصوص الأدبيّة، وتبرز حسنها في درس الأدب، لهذا كان الأدب مجالاً أساسًا وتربة خصبة لترعرعها ونموّها وتطوّرها، واستكناه حسنها. والأدب يمكّن الكلمة من القوّة في البروز وبيان ما تمتلك من خصائص، فتؤثّر في المحيط بجمالها ورونقها. يقول الدّكتور جودت الرّكابي: " والأدب ذو أثر فعّال في تربية الشّعوب، وتكوين الأجيال. وبالكلمة الجميلة نحارب القبح والظّلم لنبني عالم الخير والجمال؛ ولذا كان الأدباء دومًا مشاعل هداية تنير للعالم الطّريق نحو الحياة المثلى."(4)
يرى الأستاذ مصطفى لطفي: " … الأفضل أن نقول: إنّ العمل الأدبي بناء لغوي، يستغلّ كلّ إمكانات اللّغة الموسيقيّة والتّطويريّة والإيحائيّة؛ لينقل إلى القارئ خبرة جديدة متأثّرة بالحياة."(5) ويقول أيضًا: " الأسلوب ليس مجرّد طريقة للكتابة، يتعلّمها من يشاء، بل هو صورة لغويّة، تنقل بدقّة العواطف والأفكار الخاصّة بالكاتب … "(6)
هذه هي العلاقة بين الأدب واللّغة، إنّهما مترابطان ومتداخلان أو مشتركان في أداء وظيفة النّقل والتّبليغ، أو لنَقُل كلّ منهما يحتاج إلى الثّاني في هذا المجال.
تحقيقُ هذه الغاية، والوصول إلى الأهداف المنشودة والمنوطة بالأدب - الذي ينطلق من الكلمة، وينبني على اللّفظ - وتجسيدُ هذا المفهوم للأدب المرتبط باللّغة، يحتاج إلى عنصر مهمّ في عمليّة البناء الأدبي هو " التّذوّق
(1) - أيمن مصطفى حجازي، " مستقبل اللّغة العربيّة ورهانها في ظلّ العولمة "، كتاب: العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 785.
(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 27.
(3) - العربية الرّاهن والمأمول، ص: 448.
(4) - الدّكتور جودت الرّكابي، طرق تدريس اللّغة العربيّة، ط2، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، 1996م، ص: 173.
(5) - اللّغة العربيّة في إطارها الاجتماعي، ص: 197.
(6) - المرجع السّابق، ص: 199.