اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٣٠الأدبي ". يقول جودت الرّكابي: "عندما نتحدّث عن الأدب وطريقة درسه ونقده، نأتي على ذكر تعبير (التّذوّق الأدبي)، ويقصد به في عرف الأدباء والنّقاد تلك الملكة الموهوبة التي يستطاع بها تقدير الأدب الإنشائي، والمفاضلة بين شواهده ونصوصه، أو تلك الحاسّة الفنّيّة التي يهتدى بها إلى تقويم العمل الأدبي وعرض مزاياه وعيوبه، وملكة التّذوّق لا تحصل بمعرفة طائفة من القواعد والقوانين التي استنبطها أهل البيان، ولكنّها تكتسب بممارسة الكلام الجيّد والتّفطّن لخواصّه ومزاياه، مع توافر الاستعداد، واستجابة الطّبع. "(1)
اللّفظة تختزن طاقات هائلة كامنة فيها، تحتاج إلى من يفجّرها بالأساليب والطّرق المناسبة، والأدب مجال كبير وفسيح لتفجير هذه الطّاقات. من جملة ما تخفيه اللّفظة وتضنّ به الإيحاءُ، الذي لا تسمح بظهوره إلى على يد الأدب، ولا تمنح فرصة امتطائه إلاّ على صهوته، فالإيحاء يسمح بالكشف عن وجه من وجوه الحسن والجمال والقوّة في اللّفظة منتظمةً في خيط مع زميلاتها؛ لتكوّن نظمًا محكمًا يُبين عن المكنون، ويفصح عن الأفكار، ويفضح المشاعر، ومن جماع ذلك يتقدّم المتلقّي ليتملّى الرّواء والبهاء اللّذين يقدّمهما الإيحاء، بواسطة الذّوق السّليم. يقول مصطفى لطفي: " أمّا ميزة اللّغة حين تستخدم استخدامًا أدبيًّا، فهي أنّها إيحائيّة، لا تكتفي بالقول والتّعبير، بل تهدف إلى التّأثير في القارئ وتوجيهه، وتحويله من موقف إلى موقف، وإقناعه وتغييره تغييرًا تامًّا. إنّ كلّ لغة لها إمكاناتها، والعمل الأدبي يستغلّ أكبر قدر ممكن من هذه الإمكانات بصورة تبعده عن الانصباب في قوالب جامدة وأشكال هندسية، لا محيد عنها، وتقرّبه من التّطوّر النّامي الذي يزخر بالحيويّة والحركة."(2)
يحمل النّصّ الإشارات الآتيّة:
1 – طاقات اللّغة الكامنة يفجّرها الأدب، وعلى رأس هذه الإمكانات الإيحاء.
2 – العمل الأدبي الصّحيح يبعد عن الجمود، ويحمي من البقاء أسير قوالب جاهزة، بل يعين على التّطوّر الإيجابي النّامي.
3 – اللّغة الإيحائيّة تؤثّر في المتلقّي، وتبعث فيه القابليّة للتّغيّر لمسايرة تطوّر الحياة، والتّأقلم مع المتغيّرات.