اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي

الجزء ١ · صفحة ٣٥

كلّ هذه القدرات وهذه المكاسب – التي هي أهداف منوطة بالدّرس الأدبي – تنطلق من اللّغة، وتُبنَى بها. هذه إحدى الوشائج التي تربط اللّغة بالأدب، وتصل بينهما بقوّة وشدّة في منهج الإعداد العلمي والتّربوي للفرد. يبيّن هذا أنّ تدريس اللّغة عن طريق الأدب يكوّن الذّوق، وينمّي الإحساس، ويوفّر فرص إدراك الحسن والجمال في النّصوص … عن طريق التّمثّل والهضم والتّفاعل في الدّرس الأدبي واللّغة التي كتب بها ..

هذه بعض الأهداف المنوطة بالدّرس الأدبي. ومن يقوم بتحقيقها هو مدرّس الأدب. هناك دور آخر يقوم به الأديب الفنّان. فما هو هذا الدّور؟ وما الشّروط المطلوبة فيمن يقوم به؟

إنّ الدّور الخطير الذي تقوم به الكلمة المعبّرة واللّغة الرّاقية تتطلّب من المبدع والمتلقّي شروطًا أو مطالب لتحسين الأداء، وحسن التّلقّي:

1 – أن يكون ملمّا بأسرار اللّغة وواقفًا على دلالاتها، وفقيهًا بحقيقتها، وواعيًا بدورها في سيرورة الحياة .. ؛ لينجح في استنفاذ ما فيها من طاقات تعبيريّة، واستثمار ما لها من إمكانات تصويريّة … ليتمكّن من الملاءمة بين مشاعره الفيّاضة المتدفّقة، وأفكاره المتنوّعة المتداعية، وإيجاد الانسجام والتّناغم بين اللّغة المستعملة ومواقفه وأهدافه المنشودة بهذه اللّغة. وقد قيل: " إنّ الشّاعر الذي لم تسلم إليه اللّغة أسرارها لأعجز من أن تثير أيّ حالة شعوريّة. "(1)

2 – كي يرتقي الفنّان إلى مستوى مكانة اللّغة، ويوفّق إلى تحقيق وظيفتها: في الإفصاح عن المكنون من المشاعر، وبلوغ الغاية في نقل الأفكار إلى الآخر وغير ذلك … عليه أن يحذق كيفيّة استغلال كلّ صفة في اللّغة: تنوّعِ دلالاتها، وموسيقى ألفاظها، والظّلال التي تمدّها، والإيحاء الذي تمنحه للماهر في اللّغة، وذلك من خلال ما توفّره بانسجام حروف ألفاظها، ووَفق اتّساق كلّ لفظة بأخرى مجاورة لها، في نظم محكم بديع …(2) فالأدب أداة للكشف عن عالم الكلمة، ووسيلة لبيان غناها، والفنّان كما يقال: مطالب بالتّعامل مع الكلمة على أساس الكشف عن أسرارها وما تختزنه في أعماقها، وما يمكن أن تحمله من دلالات. ولهذا قيل عن الشّعر، (والقول ينطبق على الكتابة الفنّية بعامّة): " هو استكشاف دائم لعالم الكلمة، واستكشاف دائم للوجود عن طريق

(1) - ينظر يحي الشّيخ صالح، شعر الثّورة عند مفدي زكريّاء، دراسة فنّية تحليليّة، رسالة ماجستير (مخطوطة)، معهد الآداب واللّغة العربيّة، جامعة قسنطينة، الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1984 - 1985م. ص: 347. طبعت الرّسالة سنة 1987م.

(2) - ينظر محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث (1925 – 1976م)،ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 128.

٣٣ / ٥٥