اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٤٣الذّوق العالي عند المتلقّي يعينه على اكتشاف هذه المعاني، ومعرفة مشاعر الشّاعر، وهو يغوص في النّصّ، ويربط أجزاءه ببعضها، ويجهد في إيجاد العلاقات التي تصل بين الكلمات والجمل. بهذا ندرك قيمة التّذوّق الأدبي، ونقف على دور اللّغة في الارتقاء بالذّوق الفنّي.
3 – تأمّل دقّة استعمال الألفاظ؛ لنقل المشاعر، والتّعبير عن الأحاسيس، وتصوير المشاهد، وإبراز الشّخصيّة … في كتاب: " في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف" نماذج كثيرة محلّلة ومبسّطة ومعروضة ومقدّمة بعنصر التّذوّق الفنّي، الذي ينطلق من دلالة اللّفظة. نأخذ مثالا من تعليق الكاتب على الآية: ﴿إذْ قالُوا لَيوسفُ وأَخُوهُ أحبُّ إلى أبينَا منَّا ونحنُ عُصْبَةٌ … ﴾ (يوسف/8) " … وأحبّ إلى أبينا منّا: تركيب بالغ الجمال، فائق الحسن. وهو تعليق ألفاظ على بعض، فيها من الانسيابيّة والموسيقى الدّاخليّة ما يجعل حروف الجرّ ذات طعم مميّز. إنّ حروف الجرّ في اللّغة العربيّة ما كانت لتكون بأحسن من مثل هذا السّياق، وهذا التّعبير، وهذه التّحوّلات في المواقف والعواطف.
وتقديم (إلى أبينا) على (منّا) واضح التّركيز على ما يعلّقه الإخوة على اللّفظة الدّالة على الأب، مركز هذا الثّقل والتّجاذب. وها هي اللّفظة الدّالة على الأب لهي في مركز القضيّة معنى، وهي في مركزها لفظًا ومساحة وتوسّطَا من الجملة، وللقارئ أن يتخيّل أوتادًا مشدودة إلى المركز والوتد الذي يمثّل الأخوين قريبًا من المركز قربًا يفوق أوتاد الإخوة (العصبة)، وواضح أنّ جملة (ونحن عصبة) جملة حاليّة من الضّمير في منّا. وقولهم: (إنّ أبانا لفي ضلال مبين) جملة عربيّة، حوت من أساليب التّوكيد وقوّة الرّأي أعلاها. إنّ: حرف توكيد، واللاّم المزحلقة للتّوكيد. والإضافة فيها عنصر التّوكيد أيضًا. والنّعت (مبين) فيه زيادة توكيد أيضًا "(1)
نقدّم مثالاً آخر من تحليل الدّكتور محمد الأمين الخضري، الذي ركّز على الدّقة في استعمال اللّفظة، والتي تنتج عنها دلالات بليغة، تربط بين المعاني التي يحملها النّسق، والنّجاح في حسن تصوير المشاعر، وتبليغها إلى المتلقّي … يحصل هذا من حسن التّأمّل والتّملّي اللّذين ينتجان عن الذوق المرهف، ويقود إلى ترقية التذوّق. هذا المثال من عمليّة تجلية المعاني من بعض الألفاظ في سورة المدَّثِّر.
يقول الدّكتور: … فهذا لفظ (المدّثّر)، الذي جيء به ملاطفة للنّبيّ، في مطلع السّورة، وأصله (المتدثّر) أبدلت التّاء (دالا)، وأدغمت في مثيلتها، وهي تحمل نفس المعنى، لكنّ الإدغام جسّد حالة المبالغة في التّخفّي؛ إيماء إلى شدّة الفزع. فجاء إدغام الحروف، وهو نوع من الإخفاء محاكاة للمعنى. وعلى العكس من ذلك فكّ
(1) - في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، ص: 62، 63.