اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٤٤الإدغام في قوله (ولا تَمْنُنْ) مع صحّة الإدغام. وذلك لأنّ في الفكّ وضوحًا، وتكرار الحرف يتناسب مع حبّ الظّهور والشّهرة الذي هو معنى المنّ. وكلمة (الرُّجز) المعبّر بها عن العذاب أو الإثم، تُشيع بجرْسها وأصول مادّتها جوًّا من النّفور واستقذار المعصية؛ لأنّ من دلالتها معنى القذر، وذلك يتناسب مع الأبرار الذين تنفر طباعهم من المعاصي، وهو السّرّ الذي من أجله عُبِّر بالهجر، بدلا من التّرك في قوله (والرُّجز فاهْجر)؛ لأنّ الهجر يشي بالقطيعة والتّدابر. فإذا ما لجأ السّيّاق في التّهديد، وتعالت نذر الوعيد اكتسبت الألفاظ أردية القوّة والخشونة. فالنّفخ في الصّور يُعبّر عنه بالنَّقر في النّاقور، والنّقر هو الفزع، والمادّة بدلالتها تصوّر أجواء هذا اليوم، وما يحيط به من الأهوال، وهي بجرْسها وصيغتها تدقّ طبول الفزع وأجراس الخطر. ويختار القرآن مادّة (الرّهق) بما تحمله من معنى القهر للدّلالة على ما يلحقه الله بـ (الوليد) من العذاب في قوله (سأُرهقه صَعودًا)، وتتجاوب معها في التّصاعد بالمشقّة والإرهاق (صعودا)، حتّى لكأنّنا نرى (الوليد) ونحسّ أنفاسه المتقطّعة، وهو يتصعّد في عقبة شاقّة …(1)
التّأمّل في اللّفظة القرآنيّة، وملاحظة دقّة استعمالها، يعين على استخراج ما تحمل من حسن وجمال، وما تتضمّن من معان عالية، وقوّة البيان الذي تشتمل عليه .. هذه العمليّة يدفع إليها الحسّ المرهف، وقوّة الإدراك اللّذان ينتجان ما يسمّى بالتّذوّق الفنّي الجميل. إذن اللّفظة إذا اسْتُكْنِهَت وغيص إلى أعماقها، وربطت بما جاورها؛ بما يدفع إليه أو يهدي التّذوّق الأدبي أثمرت مثل هذه النّتائج.
4 – من العناصر التي تبرز الجماليّة في النّصّ الأدبي، وفي نظم القرآن المبين البديع، عنصر الحبكة، التي نشدّ إليها خيوط الموضوع أو القصّة، أو الأحداث التي تحرّك المسار وكلّ ما يتّصل بمشاهدها ونسقها … ، وهو ما يطلق عليه بعض الدّارسين بؤرة النّصّ، أو نقطة المحور أو المركز الذي تدور حوله بقيّة النّقط … وتكون هي نقطة الارتكاز في النّصّ. " ولأنّ قصّة يوسف - عليه السلام - مقصود بها وضع الأمور في إطارها الصّحيح، وشدّ الخيوط إلى حبكة واحدة متجانسة، تحت مظلّة الفكر الإسلامي والرّؤية الإسلاميّة، كان قوله تعالى افتتاح السّورة الكريمة: ﴿ألر تلك آياتُ الكتابِ المبينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلَهِ لَمِنَ الغَافِلينَ﴾ (يوسف/ 1 - 3)
(1) - ينظر أساليب التّعبير الأدبي، ص: 23، 24. تراجع الآيات: 1 – 17، سورة المدّثّر.