اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي

الجزء ١ · صفحة ٤٧

هذا النّصّ يبيّن أنّ القرآن كتاب فن وبيان أيضًا. فما يتوفّر عليه من العناصر المكوّنة للكتابة الأدبيّة العالية، من لغة: مفردات وتراكيب، وموسيقى، وأساليب متنوّعة … وما يتميّز به من نظم محكم، ونسيج مترابط … يكون رافدًا ومعينًا ومنهلا لغرس ذائقة الجمال والحسن في الكتابة الفنّيّة الأدبيّة، ثمّ التّدريب على حسن صوغ بديع الكلام والقول. قال عن لغته مصطفى صادق الرّافعي: " أيّ معنى أعجب من أن تتجاذبك معاني الوضع في ألفاظ القرآن، فترى اللّفظ قارًّا في موضعه، لأنّه الأليق في النّظم، ثمّ لأنّه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدّلالة، ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة، مع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية، ممّا يتقدّمه أو يترادف عليه … "(1)

قال الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض: " … إنّ مقصدي من هذه الدّروس … أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طهر القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن … "(2) هدف الشّيخ هو إنشاء أجيال تفهم بلاغة القرآن، وإعداد نفوس تتدرّع بعدّة الفصاحة والبيان. فما هي خصائص اللّفظة القرآنيّة التي بوّأتها المنزلة الرّفيعة والذّروة في القوّة والدّقة والفصاحة؟

خصائص اللّفظة القرآنيّة

نذكر هنا بعض هذه الخصائص؛ بما يعيننا على فهم دور القرآن في تذوّق الأدب، والإفادة منه في الكتابة الفنّية:

1 – تمتاز بالدّقة في الاستعمال وصفًا وتعبيرًا وتصويرًا.

2 – تمتاز بأنّها تحاول استكناه المعاني التي يمكن أن تدلّ عليها؛ ممّا يتيح للقرآن استنفاذ الطّاقة التّعبيريّة الكامنة في الألفاظ.

3 – تمتاز بجمال جرْسها الذي يترك أثرًا جميلا في الأذن، لينساب في الوجدان، بعد أن يرسم المعنى في مخيّلة المتلقّي، فيحصل الجلالُ والجمال.

4 – تمتاز ألفاظ القرآن بالتّناسق بينها. " ونعني به اتّساق القرآن وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته، واتّصالاته وسكتاته، وذلك ما يسترعي الأسماع، ويستهوي النّفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أيّ كلام آخر

(1) - مصطفى صادق الرّافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النّبويّة، ط8، دار الكتاب العربي، ببيروت، (ب. ت)، ص: 247.

(2) - محمد علي دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج،2 ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1391هـ/ 1971م، ص: 30.

٤٥ / ٥٥