اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٤٨من منظوم أو منثور."(1) لهذه توصف اللّغة القرآنيّة بأنّها " مختارة منتقاة، بما يناسب أغراضها، وبما يؤثّر في النّفس الإنسانيّة، ويستميلها إلى الاستجابة والإذعان. "(2)
ممّا يستميل النّفس فنيّة الأسلوب القرآني، وجمال نسقه، وبديع بنائه، وفصاحة كلماته … كلّ هذا يزرع في النّفس النّشوة، ويمنحها المتعة والرّوعة، فتحاول الإفادة منه فنًّا، والاستقاء منه مضمونًا. يقول محمد المبارك: "والقرآن كالطّبيعة تلتقي فيه الحقيقة والجمال ويتلازمان، ويقابل ذلك التقاء الفكر والفن المعبّرين عن الحقيقة والخيال.
لقد تضمّن القرآن دعوة إلى تصوّر معيّن للوجود، وإلى سلوك طريق يتناسب مع هذا التّصوّر، ولذلك تجلّى الفكر القرآني في تصوير حقائق الوجود أوّلا، كما هي في واقعها؛ وفقا لنظرته الجديدة، ثمّ في الحقائق التي دعا إلى إيجادها وإنشائها، وصوّرها ليطلب إلى النّاس أن ينتقلوا إليها، وهي الحقائق الأخلاقيّة والسّلوكيّة."(3)
ما أشار إليه النّصّ هو فعل الفنّ والأدب. بهذا ندرك أنّ القرآن يتميّز نظمه بالطّابع الأدبي؛ لهذا يجب أن نجعله في المقدّمة في دراساتنا الأدبيّة، ونستمدّه منهجًا في التّحليل والتّذوّق الأدبي للّغة العربيّة. ومن خلاله نرهف حسّنا نحو العربيّة، وندرك جمالها، ونعرف أسرارها، ونتقن التّعبير بها …
هذا نموذج من الأعمال التي استلهمت القرآن الكريم في الكتابة الفنّيّة، وفيه نقف على جانب الذّوق الأدبي. الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1307 – 1384ه/ 1889 – 1965م) تهكّم من محمد العاصمي، الذي كان يراه أداة طيّعة في يد المستعمر الفرنسي، يسخّره كيف يشاء، ويعرفه حربًا عل جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بخاصّة، والمصلحين بعامّة. " … ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبا، وما تحدّثنا عنه في الماضي إلاّ باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلاّ لأنّنا أوسعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا، ورُغنا عليه ضربًا ياليمين، ولكنّ هذا الرّجل (المصنوع)، يأبى علينا إلاّ أن
(1) - الدّكتور بكري شيخ أمين، التّعبير الفنّي في القرآن، ط4، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1980م،، ص: 185. ينظر مزيدّا من التّفاصيل عن هذه المميّزات، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 131 – 133.
(2) - شلتاغ شرّاد عبّود، أثر القرآن في الشّعر العربي الحديث (المرحلة الإحيائيّة)، رسالة دكتوراه الحلقة الثّالثة (مخطوطة)، معهد اللّغة والأدب العربي، جامعة الجزائر، السّنة الجامعية 1983 - 1984م، ص: 103. طبعت الرّسالة في دار المعرفة، دمشق، سورية، سنة: 1408ه/ 1987م.
(3) - دراسة أدبيّة لنصوص قرآنيّة، ص: 93، 94.