اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٤٩نعتبره شيئًا قائمًا بذاته، ولذلك فهو لم يسكت لمّا سكتنا، وتمادى على السّبّ والشّتم، ليشغل العاملين بهذا الفراغ … وقديمًا فهمنا أنّ له أربًا في اللّجاج والمراء، لأنّ هذه الطّريقة هي التي تظهره وتقرّبه زلفى إلى آلهته، وهل لشركائه مثل رأيه، حتّى يعرّضهم لما كانوا منه في أوسع عاقبة؟ أنّه لهم مولى شؤم وعشير سوء، لبئس المولى ولبئس العشير."(1)
تذمّر الكاتب من محمد العاصمي كان كبيرًا؛ بسبب أعماله التي أضرّت بالإسلام والمسلمين، وبسبب سيره في ركاب الاستعمار وتنفيذ خططه، صوّره الكاتب عابد أصنام، بل هو يراه صنمًا قائمًا بذاته، يجب القضاء عليه، ليزاح عن طريق نشر الإسلام عائق وحاجز كبير. استلهم الكاتب في ها التّصوير ما صنعه إبراهيم - عليه السلام - مع الأصنام التي أضلّت النّاس، وصدّتهم عن سواء السّبيل، بعد أن حاول أن يستنطقها، فلم تنطق، وعرض عليها الطّعام فلم تأكل. بعد أن فعل هذا معها تهكّمًا وسخريّة، وأقام الحجّة عليها ﴿فَراغَ علَيْهِمْ ضَرْبًا باليَمين﴾ (الصّافات/93) أي أفرغ شحنة غضبه عليها، وشفى نفسه من الحسرة والضّيق والغيظ من هذا الضّلال المبين. كذلك فعل محمد البشير الإبراهيمي مع محمد العاصمي: قولا لا فعلا، كما صنع إبراهيم - عليه السلام -، لكنّ ذلك بؤثّر فيه نفسيًا ومعنويًا، إذ يصيبه في شخصيّته؛ لأنّ هذا المشهد القرآني المستلهم يثير حفيظة العاصمي المسخور منه، حين يعدّه الكاتب صنمًا، من حيث كونه هيكلاً لا يحرّك ساكنًا، وجامدًا لا حياة فيه، لكنّه بحمل في داخله خصائص الغواية والضّلال، كما كانت صفة الأصنام.
يزيد الكاتب النّصّ سخريّة، والمسخور منه احتقارًا ومهانة، فيستعير جواب المشركين لمّا لِيمُوا: لماذا تعبدون الأصنام؟: نحن نعبدهم ليقرّبونا إلى الله: ﴿ … والذٍّين اتّخذُوا مِنْ دونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمُ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللهِ زُلْفَى … ﴾ (الزّمر/ 3) أي إنّ العاصمي يكثر من المناوأة ومضايقة المصلحين والعلماء ليزداد قربًا من معبوده، وهو الاستعمار. هذه الصّورة بهذه الإشارة كافية لزرع بذرة احتقار العاصمي، وازدرائه والسّخريّة منه في قلوب الأحرار وكرام النّفوس.
الشّخص الذي يكون على هذه الشّاكلة، هو مزعزع العقيدة، متقلّب الإيمان، هو كمن يعبد الله على حرف، يتّجه في عبادته إلى أيّ شيءٍ: شخص، وثن، صاحب مصلحة وحاجة … هكذا كان العاصمي مع
(1) - محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، 1963م، ص: 144، 145، الفقرة من مقال للكاتب: " أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضيّة فصل الحكومة عن الدّين؟ "، نشر في جريدة البصائر الثّانيّة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين)، ع: 139 (29/) 01/ 1951م).