Alsaidia_113_Original
الجزء ١ · صفحة ١٩حليته واخلاقه: كان سرياً نبيلاً جهوري الصوت، في مشيته زهو فعوتب، فقال: هذا خلقي، وكان شديد الاعتزاز بفحوليته وذاكرته وشعره، متمسكاً. بعمود الشعر، حريصاً على انتقاء كلماته، ان تغزل فعلى الطريقة العربية التي تجنح الى التصون والعفاف، لا ترى في شعره هزلاً ولا هجاء فإذا أراده خانه الطبع، واذا سئل عنه أجاب أنه قيل للعجاج إنك لا تحسن الهجاء، فأجاب ان لنا أحلاماً تمنعنا من أن نظلم، وأحساباً تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانياً لا يحسن الهدم؟ كان طامحاً يحب المال كما يحبه غيره، فلا تكاد تخلو قصيدة له من الاستجداء وطلب العطاء، والشعراء في أخذهم العطاء من الملوك أعذر من المتورعين وأصحاب الفتيا، لما جرت به العادة قبل الاسلام وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، وقالوا أنه لحم طير زكي، ويستندون الى قول عمر رضي الله عنه: نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر، يقدمها الرجل أمام حاجته، فيستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم. وعلى الرغم من ايمانه فقد تأثر بالمبالغات التي يلجأ اليها الشعراء في الثناء والاستجداء، وتوجيه المديح لغير أهله، ولو بقينا ننقب عن عذر له لما وجدنا سوى أن نفسية الشيخ طغـ ـت عليه فتسامح اليها. أما العرب في القديم فلا ترى التكسب بالشعر لما في طباعهم من الكبرياء والأنفة وإنما يقوله أحدهم مكافأة عن يد لا يستطيع أداء حقها إلا بالشكر إعظاماً لها، أو يقوله فكاهة، أو فخراً. ألا ترى أن لبيد بن ربيعه بعث إليه الوليد بن عقبة مائة من الأبل ينحرها كعادته اذا هبت الصبا وقد اسن وأقل، فقال لابنته: اشكرى هذا الرجل … فإني لا أجد نفسى تجيبني، ولقد أراني لا اعيا بجواب شاعر، فقالت -19 -