معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

129

معالم الاك

عصاة المسلمين من النار) إلى الجنة. قال الإمام الطبري: .. من يظلم نفسه بركوبه المآثم، واجترامه المعاصي، واقترافه الفواحش .. 1156 وعلى هذا التعريف بنى الإمام الطبري جداله حول مصير عصاة المسلمين في الآخرة حيث قال: « … إنه الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات: في عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار، أو بما شاء من عقابه، ثم يُدخله الجنة، فيكون. ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار، وإن كان في أسانيدها نظر، مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت 1157. لقد فسر الإمام الطبري هنا (الظالم لنفسه) بالموحد العاصي الذي نالته عقوبة الله في النار أو بما شاء الله ثم يدخله جنات عدن. وهذا القول الذي ذكره الإمام الطبري هنا ضعيف يفتقر إلى دليل قوي لإثباته؛ إذ لا ذكر – في هذه الآيات- المنار، وكذلك لا حجة في جميع الروايات الواردة بهذا المعنى الذي ذهب إليه الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآيات، وقد حكم عليها هو بنفسه بالضعف كما نقلنا عنه سابقاً.

واعتماد هذا المعنى الذي صرح به الإمام الطبري هنا يعرض فهمنا لآيات الله تعالى للتناقض البين، إذ من المستحيل أن يأمرنا ربنا بقوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وفي نفس الوقت يبشر المقترف للفواحش والراكب للمآثم بالجنة.

وفي نهاية تفسيره لهذه الآيات الكريمه نجد الإمام الطبري يسجل الحق ويرد فكرة دخول العصاة إلى الجنة التي ذكرها في بداية تفسيره لهذه الآيات، فقد قال عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ»: «يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم من عباده عند دخولهم الجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها، شكور لهم على طاعتهم إياه، وصالح ما قدموا في الدنيا من الأعمال 1158.

في هذا القول نجد الإمام الطبري ينسف ذلك البنيان الذي شيده على فكرة دخول العصاة في الجنة، حيث صرح هنا أن الأصناف الذين اصطفاهم الله تعالى يغفر لهم ذنوبهم إذا تابوا، وشاكر لهم طاعتهم وصالح أعمالهم، وهذه الأصناف التي يتوب الله عليها إذا تابت وشاكر لها أعمالها إذا أطاعت وصلحت لا يمكن أن يكون من بينها عاص مصر على ارتكاب الفواحش.

الروايات الواردة في تفسير هذه الآيات: * رواية منسوبة إلى ابن عباس

قال الإمام الطبري 1159: (حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ثم أورثنا الكتاب. إلى قوله: الفَضْلُ الكبير لهم أمة محمد صلى الله عليه وسلّم، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب». هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس لا قيمة لها ولا وزن في ميزان الأمة وذلك لضعف سندها، فقد جاءت من طريق علي بن أبي طلحة 1160، ومعاوية بن صالح 1161، وأبي صالح عبدالله بن صالح الجهني الذين لا حجة في رواياتهم.

1162