Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٣٥را معالم الايحق
مؤخرة الركب، وقد نقصها حظها من الدرجات والخيرات التي وصل إليها المقتصد و. والسابق. فهو قد سلم من اقتراف الفواحش وركوب المآثم، لهذا وعده الله تعالى الجنة، ولكنه ظلم نفسه حين لم ينل الدرجات العالية التي كان بمقدوره الوصول إليها لو أنه نافس لأجلها بكل ما أوتي من قوة. فحال (الظالم لنفسه) هنا هو نفس حال (القاعدين) و (حال المنفق بعد الفتح) الذين وعدهم الله تعالى الحسنى مع المجاهدين بأموالهم وأنفسهم كما جاء في سورة النساء وسورة الحديد. وقد أشار ابن عاشور إلى هذا المعنى حيث قال: «وفي ذكر الخيرات في القسم الآخر دلالة على أنها مرادة في القسمين الأولين فيؤول إلى معني ظالم لنفسه في الخيرات ومقتصد في الخيرات أيضاً، ولك أن تجعل معنى ظالم لنفسه أنه ناقصها من الخيرات كقوله: كلتا الجنتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا لله أي لم تنقص عن معتادها في الإثمار 1182. وهناك قول بليغ – يصب في قالب هذا التصور الإسلامي المحفز للنفوس للصعود في سلم الكمالات الإنسانية - - قاله ابن الجوزي: (من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضى بالنقص في كل حال. وقد قال أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في. عيوب الناس عيباً … كنقص القادرين على التمام
1183
فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السموات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض. ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض. غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن. والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل 1184.
وقال ابن الجوزي أيضاً: «ولو صح له أن يكون ملكاً لم يرض أن يكون بشراً. والمقصود: أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل 1185. وبعد أن ذكر درجات التائبين، قال الشيخ القرضاوي: « … ومنهم من يتوب من الوقوف عند حال أدنى، حيث لم يرتق إلى ما هو أعلى 1186. وقد أشار إلى نحو هذا المعنى العلامة ابن تيمية حيث قال: … أحدهما: أن الأبرار يقتصرون على أداء الواجبات وترك المحرمات، وهذا الاقتصار سيئة في طريق المقربين. ومعنى كونه سيئة أن يخرج صاحبه عن مقام المقربين، فيحرم درجاتهم، وذلك مما يسوء من يريد أن يكون من المقربين …
الثاني: أر: أن العبد قد يؤمر بفعل يكون حسناً منه، إما واجباً، وإما مستحباً، لأن ذل ن ذلك مبلغ علمه وقدرته. ومن يكون أعلم منه وأقدر لا يؤمر بذلك، بل يؤمر بما هو أعلى منه، فلو فعل هذا ما فعله الأول كان ذلك سيئة 1187. والإنسان وإن وصل إلى أعلى درجات الإخلاص لله في سعيه فلا بد له أن يحس بالتقصير في حق الله تعالى، فها هم أنبياء الله تعالى في تواضعهم أمام الله تعالى يستغفرونه ويتضرعون إليه:-
و قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قال الإمام الرازي: «أما قوله: ورَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي له فعلى نهج قول آدم عليه السلام: ورَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا» (الأعراف (24) والمراد أحد وجهين، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من. حرم نفسه الثواب بترك المندوب» 1188.
وقال الإمام الرازي عند تفسير قوله تعالى إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّلِمِينَ: «فهو أن نقول إنا لو حملناه
135