معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

معالم الحق twice

على ما قبل النبوة فلا كلام ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها، لوجب القول بكون النبي مستحقاً للعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول لا

شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً (1189. وقال الإمام الرازي في موضع آخر من تفسيره: «ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما قال: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ كم المؤمنون: (60) … » 1190.

وقال الشيخ السعدي: «فنادى في تلك الظلمات: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فأقر الله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته 1191. وجاء عن رسول الله له هذا الدعاء: «. .. اللّهُم أَنْتَ الملك لا إلهَ إلاّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ. ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً. إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ … (192.

قال النووي عند شرحه لهذه الرواية: قوله: (ظلمت نفسي أي اعترفت بالتقصير. قدمه على سؤال المغفرة أدباً. كما قال آدم وحواء: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ه 1193. فإذا كان الأنبياء عليهم السلام، وهم صفوة خلق الله تعالى، هذا هو قولهم وهذا هو وصفهم لأنفسهم، فما بالنا لا نصف الآخرين من العاملين الله من البشر بـ ظلم النفس) وهم دائماً يعتريهم الضعف والكلل وهم في ميادين الدعوة.

العقوبة

وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي أبا بكر الله هذا الدعاء: ..... قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنتَ، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم 1194 قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذه الرواية: «قوله: ظلمت نفسي أي بملابسة ما يستو. أو ينقص الحظ. وفيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صديقاً 1195. الله تعالى يعرف منازل الرجال العاملين في سبيله، فليس بمقدور البشر أن يحددوا درجات الأولياء والمصطفين بل على الجميع السعي والتسابق في مضمار الدعوة مع ملازمة الإحساس بالتقصير، واتهام (النفس بالظلم) ((عند القيام بالواجب إقتداءاً بأنبياء الله تعالى والصديقين من عباد الله تعالى.

من كل ما سبق يتبين لنا: ضعف التفسير الذي حمل قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظَالم لنفسه على العصاة ومرتكبي الكبائر، لأن سياق الآيات لا يشير لهذا المعنى، ولأن جميع الروايات الواردة بهذا التفسير ضعيفة لا تقوم بها حجة. والآيات الكريمة هي: تسجيل لمراتب أهل الجنة العاملين في مضمار الدعوة إلى الله.

136