معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

معالم الحق See

وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَي لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.

الروايات التي حددت الظلم بالشرك فقط روايات أبطلها منهاج الأمة الإسلامية الذي لا يحابي أحداً كما سيتبين لنا عند قراءتنا في تفسير هاتين الآيتين الكريمتين. ولقد بين العلماء أيضاً أن مدلول الظلم يشمل كل معانيه ولا يختصر على معنى الشرك فقط، فقد نقل الإمام الطبري: «وقال آخرون: بل معني ذلك: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم، وذلك فعل ما الله عن فعله، أو ترك ما أمر الله بفعله، وقالوا: الآية على العموم، لأن الله لم يخص به.

نهي

من معاني

الظلم 1214. وقال الشيخ السعدي: «قال الله تعالى فاصلاً بين الفريقين الذينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا الله أي: يخلطوا إمانَهُمْ بِظُلْمٍ أَوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} الأمن من المخاوف، والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً، لا بشرك، ولا معاصي، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة.

وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال

والشقاء» 1215.

فمن هذه الأقوال نعرف أن كلمة الظلم - في معناها العام - تدل على الشرك وغيره من المعاصي. فأي القسمين تدل عليه كلمات هذه الآية الكريمة؟. الكلام هنا عن الَّذِينَ آمَنُوا، وليس عن الذين أشركوا. وبهذا تحدد هذه الآية من أولها للقارئ الجهة التي ينظر إليها، وهي جهة المجتمع المؤمن الذي ينبغي للجميع العيش فيه. و مما يعمق هذه النظرة صوب جهة المجتمع المؤمن هو المعنى الذي يرشد إليه قوله تعالى: {وَلم يَلْبِسُوا، (أي لم يخلطوا) را 1216. إذ من المستحيل تصور الإيمان والشرك مختلطين في مكان واحد. والمجتمع المؤمن ليس مجتمعاً ملائكياً؛ ففيه العصاة غير التائبين، وفيه المستغفرون التائبون وفيه من سما إلى أعلى درجات التقوى بفضل الله تعالى. والقرآن الكريم منذ الأيام الأولى من عمر الدعوة الإسلامية يدعو المؤمنين إلى العمل بالطاعات وعدم خلطها بالمعاصي، لأن من عمل ذلك فله الأمن وهو في هداية من ربه في الدنيا والآخرة. والذين خلطوا إيمانهم بالمظالم ولم يتخلصوا منها بالتوبة والاستغفار فقد ذكرت أحوالهم ومصيرهم آيات

1217

أخرى من كتاب الله تعالى، وروايات صحيحة من سنة الرسول الله، كما سيتضح في هذا البحث. وفكرة الخروج من النار لها حضورها عند تفسير هذه الآية الكريمة وإن كان على حساب مدلولات ظواهر الآيات الكريمة. وقد اعتمد القائلون بفكرة خروج العصاة من النار (على روايات لم يحفل بها منهج الأمة الإسلامية عند تفسير هم) الكلمة (الظلم) الواردة في هذه الآية.

الروايات التي حملت معنى (الظلم) بـ (الشرك) فقط. قال الإمام الطبري بعد أن ذكر الروايات والأقوال في تفسير هذه الآية الكريمة: «وأولى القولين بالصحة

138