معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

معالم الالية

(الأنعام (42) يبين لنا حال الذين تطهروا من كل أنواع الظلم.

وقول الله سبحانه تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفِ خَفِيَ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمينَ في عَذَابٍ مُقِيمَ (4) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيل (1) الشورى: -).

يبين لنا حال الظالمين الذين قدموا إلى يوم القيامة، ولم تستثن هذه الآية ظلماً دون آخر. قال ابن كثير: ((أَلا إِنْ الظَّلِينَ فِى عَذَابِ مُقيم له أي دائم سرمدي أبدي لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ الله له أي ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيل له أي ليس له خلاص (1392. وقال الشيخ السعدي: «أَلا إِنَّ الظَّلين له أنفسهم بالكفر والمعاصي وفِي عَذَابٍ مُقِيم الله أي: في سوائه ووسطه، منغمرين لا يخرجون منه أبداً، ولا يفتر عنهم، وهم فيه مبلسون 1293.

فكل الظالمين - والعياذ بالله - هذا هو مصيرهم مع تفاوت دركاتهم حسب مستويات مظالمهم، إذا قدموا يوم القيامة غير تائبين. فهم جميعاً في عذاب سرمدي أبدي وليس لهم ولي يشفع لهم وينقذهم مما هم فيه من النكال.

وحينما تغلب على الذهن فكرة العذاب المؤقت فإن المتحمسين لها يعملون على جعل هذه المعاني القرآنية تبعاً لأفكارهم، وهذا التوجه إنما يقوده حب الانتصار للأفكار المذهبية الموروثة والروايات الضعيفة التي أملت المعاني الخاطئة.

قال الرازي: «ثم قال: أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابِ مُقيم الله أي دائم قال القاضي: وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى: والْكَافِرُونَ هُمُ الظَلُونَ} (البقرة: 254) والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ الله الله والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار) 1294.

ذهب الإمام الرازي إلى هذا القول على أسس ليس لها وزن عند دراسة آيات الله تعالى:- جعل موقفه السابق ورأيه المعارض لأقوال القاضي دليلاً تترجح به المعتقدات، وهذا توجه لا قيمة له في ميزان الأمة الإسلامية. ولم يلتفت الإمام الرازي هنا إلى تلك الآيات القرآنية التي وصفت أصحاب الكبائر من أفراد هذه الأمة بالظلم 1290، بل رجح معنى واحداً فقط ليتلاءم مع فكرته السابقة. وجعل الإمام الرازي عدم شفاعة الأصنام للكافرين يوم القيامة إحدى المؤكدات لفكرة الشفاعة لأصحاب الكبائر من هذه الأمة. وهذا قول ينقضه القرآن نفسه، فلقد أكد لنا القرآن الكريم أن الكافرين في الدنيا لا يعترفون بحياة بعد الموت ولا ببعث ولا بجنة ولا بنار فضلاً عن أمنيتهم في شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة. والرواية التي أخرجها الإمام الطبري 1296، وابن أبي حاتم 1297، وذكرها واحتج بها الشوكاني 1298، والألوسي 199، والسيوطي 1300، وابن الجوزي 1301، وابن عاشور 1302، والتي نسبت إلى النضر بن الحرث قوله: «سوف تشفع لي اللات والعزى»، هي رواية ضعيفة باطلة لورودها من قبل الحسين بن داود عن شيخه حجاج بن محمد 1303، ولورودها من قبل الحكم بن أبان العدني صاحب الأوهام 1304، و بسبب انقطاع سندها بين عكرمة مولى ابن عباس والنضر بن الحرث.

143