Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٥٩ن معالم
القسم الأول
روايات وأقوال في تفسير قوله تعالى: -
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَيْطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مَثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة 275)
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (البقرة 179) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران 131
(132 - 131
فهذه الآيات الكريمة فيها حكم الله تعالى على الذين يأكلون الربا. ولكن حينما تغلب فكرة العذاب المؤقت والأقوال الموروثة، فإن دلالات هذه الآيات الكريمة تصبح في أوساط الناس عرضة للاحتمالات
المتناقضة.
قال أبو حيان الأندلسي: «فإن كانت في الكفار فالخلود خلود تأبيد، أو في مسلم عاص فخلوده دوام مكنه لا التأبيد» 1398. وقال الشوكاني: «وعلى التقدير الأوّل يكون الخلود مستعاراً على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد، أي: طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار 1399.
وبرر الإمام الرازي هذه الأقوال التي قالها أبو حيان الأندلسي والشوكاني بقوله: «وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمناً بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه، ويجوز أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها، والله تعالى بين صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله أَمْرُهُ إِلَى الله له على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه 1400. فجميع الروايات التي أشار إليها الشوكاني لا حجة فيها، والرأي الذي ذهب إليه الرازي هنا رأي أُسس على الضعيف من الأدلة كما تبين وسيتبين لنا في هذا البحث. و قال ابن عطية: «والآية كلها في الكفار المربين نزلت، ولهم قيل: {فَلَهُ مَا سَلَفَ ولا يقال ذلك المؤمن عاص ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية» 1401.
ويعرض علينا الإمام الرازي رأياً آخراً، حيث قال: « … فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع، فلم يبق إلا أن يكون مختصاً من أقر بحرمة الربا ثم أكل الربا فههنا أمره الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو كقوله إن الله لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ له فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو 1402.
وهذا الرأي الذي طرحه الإمام الرازي هنا أتى عليه من أساسه، حيث تراجع عن كون الآية في حق المرابين من المسلمين إلى القول أن الآية في حق الكافر، حيث قال: «أما قوله وَمَنْ عَادَ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ
159