Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٦٨معالم الحق
حسب ظاهرها، فكيف يغفل ابن عباس عن مشروعية التوبة وشروطها وهو بحر العلوم وحبر هذه الأمة؟. وكيف لا يعرف ابن عباس ما علم من الدين بالضرورة؟!.
وقد بين مجاهد، وهو من أخص تلامذة ابن عباس، ما يرشد إليه قول أستاذه في هذه الرواية حيث قال كما رواه الإمام البخاري 1468: «إلا من ندم». والمتتبع لأقوال القائلين بخروج عصاة المسلمين من النار يجد التضارب الواضح بين أقوالهم؛ فما أتى به البعض رده الآخر وانتقده ولم يحفل به. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المناهج الإسلامية العادلة لم يؤخذ بها في الوصول إلى القول الصحيح عند تفسير هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات. قال الإمام الرازي وهو يرد على الواحدي الذي قال: «الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا … والثاني: أن قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ معناه الاستقبال أي أنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد قال: وخلف الوعيد كرم، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين (1469. وبعد أن ذكر هذه الأقوال أخذ الإمام الرازي بدحضها حيث قال: «وأقول: أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله 1470 في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر، وبيانه من وجوه:-
الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلا خَطَأ النساء: " فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الإسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب، أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه.
الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لَمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السّلَامَ لَسْتَ مُؤمِنا النساء: " وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الإيمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً متعمداً لله نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار … فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي
ليس بشيء.
وأما الوجه الثاني: من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من أن يكون كفراً، فإن العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال: إن الخلف في الوعيد كرم، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء» 1471. فهذه الأقوال التي سطرها الإمام الرازي هنا هي الناطقة بالحق لأنها مبنية على الثابت الصحيح من الأدلة ولأنها سارت على منهاج الإسلام في دراسة العقائد. وكم هي أمنيتنا في أن نرى الإمام الرازي وقد رفع معالم
168