Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٦٩نا الان من نا باراني معام
ما بناه هنا في الأماكن الأخرى من تفسيره وعند مناظراته في موضوع مصير عصاة المسلمين يوم القيامة. ولم يكن ابن عاشور أقل حدة من الإمام الرازي في رده على بعض المفسرين، حيث قال: «وأقول: هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسّرين كما علمت وملاكه أنّ ما ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحد المألوف من الإغلاظ، فرأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلود حقيقة، بخلاف بقية آي الوعيد، وكأنّ هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار هذه الآية محكمة أو منسوخة، لأنهم لم يجدوا مَلْجا آخرَ يأوون إليه في حملها على ما حملت عليه آيات الوعيد: من محامل التأويل، أو الجمع بين المتعارضات، فآووا إلى دعوى نسخ نصها بقوله تعالى في سورة الفرقان (18، 19: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلَهَا آخَرَ له إلى قوله الله إلا مَنْ تَابَ الله لأن قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ كله إما أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمداً أجدر، وإما أن يراد فاعل واحدة منها فالقتل عمداً مما عُد معها. ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير: إن آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء. ومن العجب أن يقال كلام مثل هذا، ثم أن يُطال وتتناقله الناس وتمر عليه القرون، في حين لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة. وذهب فريق إلى الجواب بأنها نسخت بآية: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَنْ يَشَاءُ له النساء: 48، بناء على أنّ عموم مَنْ يَشَاءُ هِ نَسَخ خصوص
القتل.
وذهب فريق إلى الجواب بأنّ الآية نزلت في مقيس بن صُبابة، وهو كافر - فالخلود لأجل الكفر، وهو جواب مبنى على غلط لأنّ لفظ الآية عام إذ هو بصيغة الشرط فتعيّن أنّ «من» شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل
على شخص معين؛ إلا عند من يرى أنّ سبب العام يخصصه بسببه لا غير، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه. وهذه كلها ملاجيء لا حاجة إليها، لأن آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتى بلغت حد النص المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلها حتى الكفر. على أن تأكيد الوعيد في الآية إنما يرفع احتمال المجاز في كونه وعيداً لا في تعيين المتوعد به وهو الخلود. إذ المؤكدات هنا مختلفة المعاني فلا يصح أن يعتبر أحدها مؤكداً المدلول الآخر بل إنما أكدت الغرض. وهو الوعيد، لا أنواعه. وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة. وهو الذي يتعين اللجأ إليه، والتعويل عليه 1472.
فشدة رد ابن عاشور هنا لم تسعفه في التغلب على جاذبية (فكرة خروج عصاة المسلمين من النار) التي يعتقدها من غير دليل، فمع حماسه الشديد على إظهار المعنى الواضح الجلي الذي بينته هذه الآية الكريمة إلا أنه جعلها دالة على جانب منها دون جانب آخر.
فقد اعتبر ابن عاشور في آخر كلامه هنا أن هذه الآية مؤكدة للوعيد دون الخلود في الوعيد وهذا قول ترده الآية نفسها.
فمن أين أتى الاستثناء؟، والآية صريحة أن قاتل النفس بغير حق مصيره ا بره الخلود في نار جهنم ولم تخصص حكماً دون حكم ولا فاعلا دون آخر.
وهذه الفكرة التي عرضها ابن عاشور هنا لم يحفل بها الإمام الرازي، حيث قال: «وحكى القفال في تفسيره وجها آخر، هو الجواب وقال: الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا، وقد يقول الرجل لعبده: جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، إلا أني لا أفعله، وهذا الجواب أيضاً ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، وثبت بسائر الآيات أنه وقال: الْيَوْمَ تُجْزَى تعالى يوصل الجزاء الى المستحقين. قال تعالى: مَن يَعْمَلُ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} النساء: 133)
169