معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٣

ن معالم الحق

العاجلة فما نفعهم العلم. ورأينا خلقاً من المتزهدين خالفوا لنيل أغراضهم؛ وهذا لأن الدنيا فخ والناس كالعصافير، والعصفور يريد الحبة وينسى الخنق. قد نسي أ أكثر الخلق مآلهم؛ ميلا إلى عاجل لذاتهم، فأقبلوا يسامرون الهوى ولا يلتفتون إلى مشاورة العقل. فلقد باعوا بلذة يسيرة خيراً كثيراً، واستحقوا بشهوات مرذولة عذابا عظيما. فإذا نزل بأحدهم الموت قال: ليتني لم أكن ليتني كنت تراباً، فيقال له الآن؟» 178. وقال ابن القيم: «والفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ له فطوي سبحانه بساط الرجاء إلا عن هؤلاء، وقال المغترون: إن الذين ضيعوا أوامرة وارتكبوا نواهيه واتبعوا ما أسخطه وتجنبوا ما يرضيه، أولئك يرجون رحمته، وليس هذا ببدع من غرور النفس والشيطان لهم 179. وقال الحيدري: «وبذلك يتضح أنه لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يمني نفسه بالعفو والمغفرة والشفاعة ونحوها من غير عمل يرجو به الخلاص والنجاة. قيل للإمام جعفر الصادق عليه السلام: إن قوماً يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو ف، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت، فقال: هؤلاء يترجحون في الآماني - أي مالت بهم عن الاستقامة -، ليسوا راجين، إن من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه 180.

قال السيد عبد الحسين دستغيب: « … إذن يتضح أن لا خوف لدى الذي لا يفر من المعصية. ويتضح أن الذي لا يسعى ولا يجد في تحصيل أسباب المغفرة ليس آملاً بالرحمة الإلهية، وهذه الجملة التي يقولها أيضاً (الله كريم) أجراها الشيطان على لسانه فغره 181.

وقال الدكتور محمد راتب النابلسي: (فأكثر الناس يقول: لا تدقق فالله غفور رحيم، وهذا رجاء أبله. فالتفاؤل والرجاء دون توبة ودون استقامة تفاؤل أبله أحمق … (182.

رد عليك

وقال محمد محمود الصواف «بعض المذنبين من الناس إن كلمته ناصحاً، أو زاجراً له عن الآثام رد. بأن رحمة الله واسعة، ونحن معتمدون على رحمة الله وكرمه وعفوه، وإحسانه، ونسي هذا المسكين أنه قد أهمل أمر الله، ونهيه وضيعهما فيما ضيع من أمور دينه، وغفل هذا المسكين من أن الله عز وجل كما أنه واسع المغفرة فهو تبارك وتعالى شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند والمكابر.

قال معروف الكرخي: رجاؤك لرحمة من! لا تطيعه من الخذلان والحمق. وقال بعض العلماء: من قطع عضو منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا.

وقيل للحسن نراك طويل البكاء، فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. وسأل رجل الحسن: فقال يا أبا سعيد: كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى

المخاوف (183.

تلحقك

فهذه الأقوال التي ذكرها ابن الجوزي وابن القيم والحيدري، والسيد عبد الحسين دستغيب، والدكتور النابلسي، ومحمد محمود الصواف هي القول الصائب؛ فعلى المتلبسين بأدران الذنوب التوبة والإنابة وترك الأماني المهلكة 184.