Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥ان اللي انا الا ان معالم الحق قال الثعالبي في معرض ذكره لأحوال الناس يوم القيامة: «النَّاسُ أربعةُ أصْنَافِ: كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مخلد في النار بإجماع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لم يُذنب قط، ومات على ذلك فهذا في الجنةَ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الله تعالى بإجماع، وتَائِبَ مَاتَ عَلَى توبَتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنّة و و جمهورٍ فَقَهَاءِ الأُمة لاحق بالمؤمن المحسن، إلا أن قانون المتكلمين أنه في المَشيئَةِ، ومُذنبٌ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلافِ». وهذا التقسيم للناس يوم القيامة قد ذكره أيضاً ابن عطية، والإمام الرازي، والدكتور مسلم الوهيبي." وغيرهم.
الخبر
من
10
فالخلاف الذي أشار إليه الثعالبي حول مصير أصحاب الكبائر من الذنوب في الآخرة لا مبرر له؛ فحكم أصحاب الكبائر في الدنيا والآخرة قد بينه الشارع الحكيم، فهو حكم واحد لا يجوز تجاوزه إلى غيره من الأقوال. ومعرفة الحكم الذي حدده الشرع إنما يتم بتتبع كل الأدلة ودراستها وعرض الروايات على المنهاج الصائب والميزان العادل. والمنهج المتبع في دراسة هذه القضية من شأنه ألا يحابي أحداً، فهو قوي الدلالة وصادق في الحكم؛ لهذا فلا يمكن أن تتسرب من خلاله خيوط الخلاف. ويبقى العنصر الثالث وهم أصحاب الأقوال المتعددة الذين جاء من صوبهم هذا الخلاف الذي أشار إليه الثعالبي في تفسيره.
ولقد لعبت الروايات دوراً ظاهراً جلياً في تأسيس القول بالشفاعة لأهل الكبائر والخروج من النار، وقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على تلك الروايات وساروا بها عبر القرون الماضية مع اعتراف بعضهم بعدم وجود آيات من كتاب الله تعالى تدل على ما ذهبوا إليه من قول، فقد قال الشيخ المراغي: «وإذا فليس في القرآن الكريم نص قاطع في ثبوتها ولكن جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد وقوعها كقوله صلى الله عليه وسلم (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فمن كذب بها لم ينلها).
ومما يزيد الرغبة في مواصلة البحث والكتابة في هذا الموضوع هو أن قضية الشفاعة لأهل الكبائر والخروج من النار قد جرت الأمة الإسلامية إلى هوة سحيقة عميقة لا أمل في الخروج منها ودعاة (الصفح عن أهل الكبائر) يصرخون في آذان الناس ليل نهار ويبلغونهم روايات كثيرة لا وزن لها في ميزان الإسلام العادل. فكان الواجب قولاً يسكت دعاة الروايات المروجة (للشفاعة لأهل الكبائر) ويحث المسلمين قاطبة إلى تطبيق أسس مناهجهم في كل مناشط الحياة.
والحالة التي عليها أمتنا اليوم أججت في وجدان الغيورين من أبنائها براكين الأسى والحسرة على ما صارت إليه بعد أن كانت قائدة للأمم، وجعلتهم ينادون بأعلى صوت بالحلول الناجعة للأمراض التي عطلت هذه الأمة عن القيام بوظيفتها في هذه الحياة. فقد قال محمد محمود الصواف: «ولكن من الواجب علينا معشر المسلمين، ونحن في هذه المرحلة الحاسمة الخطيرة من تاريخ حياتنا، أن نبدأ نحن بتغيير جذري جوهري في نفوسنا، وفي أخلاقنا، وأن يكون ذلك التغيير عاماً وشاملاً بالنسبة للخاصة والعامة، وأن يكون على أساس مدروس وخطة محكمة لكي نتقي أسباب الانحلال والضعف من جهة، ونأخذ بأسباب القوة والعزة من جهة أخرى.
وأسباب القوة ليست في فوضى الأخلاق، ولا في التحلل من الآداب، ولا في التشكيك في المثل والقيم، ولا في تقليد الشرق والغرب، ولا في استيراد المبادئ من هنا أو هناك. وإنما هي في الأصول الخالدة، والمبادئ الكريمة السائدة التي جاء بها الإسلام وأعز بها أولئك الأمجاد من سالف أمتنا العزيزة 12.