Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٤معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة 511، وريحها يوجد من مسيرة أربعين خريفاً)، ومثل قوله الذي في الصحيح: (لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر). قيل: يا رسول الله الرجل يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، أفمن الكبر ذاك؟ فقال: (لا) الكبر بطر الحق وغمط الناس).
و (بطر الحق) جحده، و (غمط الناس (احتقارهم و از دراؤهم. ومثل قوله في الحديث الصحيح: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وفقير مختال). وفي القرآن من آيات الوعيد ما شاء الله. وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين، أن «الوعيد» في الكتاب والسنة لأهل الكبائر موجود. ولكن الوعيد الموجود في الكتاب والسنة قد بين الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلحق التائب بقوله: قُلْ يعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَة الله إن الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحيم الله الزمر: 53، أي لمن تاب. وقال في الآية الأخرى: إن الله لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمن يشاء، النساء: 116، فهذا في حق من لم يتب، فالشرك لا يغفر، وما دون الشرك إن شاء الله غفره، وإن
شاء عاقب عليه 512.
والمشيئة التي أشار إليها ابن تيمية هنا قد أوضح معناها في موضع آخر من (مجموع الفتاوى) حيث قال هناك: «فمن سبقت له من الله الحسنى فلا بد أن يصير مؤمناً تقياً، فمن لم يكن من المؤمنين لم يسبق له من الله حسني، ولكن إذا سبقت للعبد. من الله سابقة استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة، كمن سبق له من الله أن يولد له ولد. فلا بد أن يطأ امرأة يحبلها، فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات، فسبق منه هذا وهذا؛ فمن ظن أن أحداً سبق لا له الله من حسني بلا سبب، فقد ضل، بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات، وهو قد قدر فيما مضى هذا وهذا 513.
وقد بين ابن الجوزي في كلمات معدودة بليغة هذه القاعدة التي ذكرها العلامة ابن تيمية، حيث قال ابن الجوزي: (وبعد هذا، فالمراد موفق والمطلوب معان. وإذا أرادك لأمر هيأك له 514. وقال في موضع آخر: (تفكرت في سبب هداية من يهتدي وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته، فوجدت السبب الأكبر اختيار الحق عز وجل لذلك الشخص، كما قيل إذا أرادك لأمر هيأك له (510.
فمن سلك سبيل التوبة فقد أخذ بأسباب المغفرة، وقد وعد الله تعالى التائبين بغفران ذنوبهم إن هم أخلصوا الله في أعمالهم. فالروايات التي ذكرت هنا لا وزن لها في ميادين العلم. وأما فكرة إخلاف الله وعيده فهي من التخريصات التي لا يجوز نسبتها إلى الله سبحانه وتعالى. والقسم الآتي من هذا الفصل فيه زيادة بيان لما أشار إليه العلامة ابن تيمية هنا. والله الموفق إلى كل خير.
القسم الرابع
المغفرة والمشيئة الإلهية
فحينما. سمع المسلمون قول الله تعالى: له إِلا مَا شَاءَ الله الله أخذوا في البحث عن الذين عناهم الله تعالى بهذا الاستثناء، وقاموا بذكر الأفراد الذين يشملهم هذا الاستثناء، وجاءوا بأدلتهم للتدليل على صواب
02