Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٦معالم الحق
وَاللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا مَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.
بيان العلماء لهذا الحكم الإلهي
قال ابن كثير: «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لَمَا يَشَاءُ أي إذا أراد أمراً قيض له أسباباً وقدره ويسره له إِنَّهُ هُوَ
العليم بمصالح عباده، والحكيم الله في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده» 519. وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا مَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى: أي يجازي كلاً بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي لا يتعاطون المحرمات الكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيما نه وقال ههنا: والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ، وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال … وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة﴾ أير رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِي الذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (520.
وقال الإمام الرازي: «إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول 521.
وقال الألوسي:) وحاصله أن اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل لصعابها، ولنفوذ مشيئته سبحانه فإذا أراد شيئاً سهل أسبابه أطلق عليه جل شأنه اللطيف لأن ما يلطف يسهل
نفوذه» 522.
وقال أبو السعود» فَيُضِلُ الله مَن يَشَاء إضلاله أي يخلق فيه الضلال لمباشرة أسبابه المؤدية إليه أو يخذله ولا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف. وَيَهْدِى بالتوفيق ومنح الالطاف من يشاء الله هدايته لما فيه من الإنابة والإقبال إلى الحق» 523.
وقال ابن تيمية: «وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الأنبياء: 101 فمن سبقت له من الله الحسنى فلا بد أن يصير مؤمناً تقياً، فمن لم يكن من المؤمنين لم يسبق له من الله.، حسنى، ولكن إذا سبقت للعبد من الله سابقة استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة، كمن سبق له من الله أن يولد له ولد. فلا بد أن يطأ امرأة يحبلها، فإن الله سبحانه قدر الأسباب والمسببات، فسبق. منه هذا وهذا؛ فمن ظن أن أحداً سبق له من الله حسنى بلا سبب فقد ضل، بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات، وهو قد قدر فيما مضى هذا وهذا 524. وقال سيد قطب: «ووراء ذلك كله مشيئة الله .. المشيئة الطليقة التي قضت أن يكون هذا الخلق المسمى بالإنسان على هذا الاستعداد المزدوج للهدى والضلال، عن اختيار، وحكمة لا عن ا اقتضاء أو إلزام .. وكذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم. بمشيئته تلك، التي تعين من يجاهد، وتضل من يعاند. ولا تظلم أحداً من العباد .. إن اتجاه الإنسان إلى طلب الهدى، أو اتجاهه إلى الضلال كلاهما ينشأ من خلقته التي فطره الله عليها بمشيئته. فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة الله. والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها الله بمشيئته كذلك. فالمشيئة فاعلة ومطلقة والحساب والجزاء إنما يقومان على اتجاه الإنسان الذي يملكه، وإن كان الاستعداد للاتجاه المزدوج هو في الأصل من مشيئة الله 20.
56