معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٤

معالم الحق www

العنصر الثاني: علماء الأمة الإسلامية يدعون إلى الأخذ بأسباب المغفرة. لقد انتشرت في أوساط القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر فكرة المغفرة من غير توبة، وهم بفكرتهم هذه خالفوا الحكم الإلهي الذي يربط بين المغفرة والتوبة، وخالفوا أحاديث الرسول الله الصحيحة التي تدعوا العباد إلى طلب المغفرة من كل الذنوب وخالفوا كذلك أقوالهم العديدة الكثيرة في وجوب التوبة كما سيتضح ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى. قال ابن كثير: « … . لأنه تعالى قد حكم ههنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه 567. وقال ابن عطية: (ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين، فإن كان كافراً فهو يخلد، وإن كان مؤمناً فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلاً منه ولا يعذبه 568. وقال الرازي: «ثم قال تعالى: {وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ إما من غير التوبة لمن شاء كما قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَن يَشَاءُ أو بعد التوبة (569. . قال أبو السعود: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُرٌ غَفُورٌ أي مبالغ في العفو والمغفرة فيغفرُ لما سلف مِنْهُ عَلَى الإطلاق أو بالمتاب عنه …

>>

وقال الألوسي: «{وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُو غَفُورٌ له أي مبالغ في العفو والمغفرة فيغفر ما سلف منه ويعفو عمن

وسي

ارتكبه مطلقا أو بالتوبة» 571. من هذه الأقوال التي ذكرها ابن كثير، وابن عطية، والرازي، وأبو السعود، والألوس نلاحظ الآتي:- فكرة المغفرة لأصحاب الكبائر من غير توبة نصوح يقدمها صاحبها قبل الممات يردها الحكم الإلهي الذي رتب نتائج الأمور بأسبابها. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التي ذكرناها في هذا القسم تربط بين المغفرة وجهود البشر لنيلها.

والقول بأن من أصحاب الكبائر من قد تشملهم المغفرة على ما هم عليه من ذنوب قول مقحم على الفكر الإسلامي وقد عارضته آيات الله تعالى وأحاديث الرسول الله ولم يأت أصحابه بما يثبته. وقد صحح ابن الجوزي هذه الفكرة عند رده على أبي نواس الذي نقل عنه تمني المغفرة من غير اقلاع عن الذنب " وتباين الأفكار عند ابن عطية في شأن مصير العصاة إذا ماتوا من غير توبة مصدرها اعتماد روايات لا تقوم بها حجة في ميزان الإسلام. فنجد ابن عطية يقطع، اعتمادا على ما سمعه أن من العصاة المصرين من يغفر له ولا يعذب، ولكنه قبل هذه الفكرة نجده يقول بغلبة الظن في تعذيبه مما يغلب جانب الخوف عليه. وفكرة غفران الذنوب من غير توبة وإنابة إلى الله تعالى قد جرأت المستشرقين للنيل ظلماً وعدواناً من روح الإسلام، فقد نقل الشيخ الشعراوي عن أحد المستشرقين قوله: (إن المغفرة الإلهية كما يبدو من القرآن الكريم تمنح على غير أساس معلوم وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لَمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ … (573. ففكرة احتمال غفران كبائر الذنوب من غير توبة نصوح يقدمها صاحبها قبل الممات فكرة لا أصل لها، وقد عقها القائلون بها في كثير من كتبهم. وفي هذا الموضع من هذا البحث أنقل لك أخي القارئ الكريم ما قاله علماء المسلمين عند ربطهم بين المغفرة وأسبابها، وعند شرحهم لأسماء الله الحسنى؛ خاصة عند شرحهم لمعنى (الغفور) و (غافر) و (عفو) و (تواب).

64