Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٨٣83
الى الان معالم الحق
سَمِعْتَ بَمَقَامَ مُحَمّد عَلَيْهِ السّلامُ رِيَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ الله فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدِ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ. قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطَ وَمَرَ النَّاسِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ. قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنْ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا. قَالَ: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ. قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهْراً مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ. فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيسُ فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْحَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ فَرَجَعْنَا. فَلَا وَاللَّهُ مَا خَرَجَ مِنَا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْم». نعرض الملاحظات الآتية حول هذه الرواية:
1 - هذه الرواية تذكر أن (المقام المحمود) هو إخراج الناس من جهنم وهذا تفسير تخالفه الروايات الأخرى الصحيحة التي فسرت (المقام المحمود بالشفاعة العظمى يوم المحشر، كما هو مذكور في بداية
هذا القسم.
ومن القواعد التي ينبغي لنا تطبيقها ونحن ندرس عقائدنا هي التي ذكرها الإمام القرطبي، حيث قال:- والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه الإجماع والأمة، وما يبنى على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه أخذ برواية الجماعة وأبطل نقل الواحد؛ لما يجوز عليه من النسيان والإغفال. ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولاً معروفاً، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة لم يخالفونه، لكان الحكم العمل بما روته الجماعة، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد، الذي يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة، وجميع أهل الملة» 735.
والذي قال: «وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه 736. ونحن إذا حكمنا هذه القاعدة المنهجية التي ذكرها الإمام القرطبي عند دراستنا لرواية يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله، فإننا نجد رواية يزيد تخالف الرواية التي جاءت من طريق ابن عمر وأبي هريرة وسلمان القدم في تفسير (المقام المحمود). وقد اعتمد جمهور العلماء على المعنى الذي أشارت إليه وأبي هريرة وسلمان الفارسي كما صرح بذلك المفسرون. لهذا لا ينبغي لنا اعتماد رواية
الفارسي رواية ابن عمر
يزيد عن جابر بن عبد الله في تفسير هذه الآية الكريمة.
- هذه الرواية تحمل التناقضات الفكرية. فقد جاء فيها ما نصه: «حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيِّ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدِ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ. ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ». فالخروج على الناس قتلاً وقطعاً للطرق يعتبر في ميزان الإسلام جريمة توعد الله فاعلها بالخلود في نار، وهذا هو حكم رب السماوات والأرض ولم يستشر سبحانه في حكمه هذا البشر. ونية الراوي ورغبته في الخروج على الناس بعد أداء مناسك الحج، يزيدها تأججاً ما جاء في نفس الرواية: «أَن قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا».
جهنم
737
فعقيدة خلود العصاة في النار – التي جاء بها القرآن الكريم والصحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم – حينما تتغلغل في أعماق النفس تردع كل من تسول له نفسه الإفساد في البلاد والعباد، ولكن فكرة الخروج من النار والشفاعة لأهل الكبائر تجعل السابحين في دماء الناس والسارحين في أعراضهم والراتعين في أموالهم لا يرعوون عن فسادهم؛ لم لا يكون ذلك وهناك وعد لهم بالشفاعة ووعد بإخراجهم من النار إذا جاءوا بنية الخوارج وأعمالهم؟!!!.
فليس هناك من وفاق بين عقيدة الخلود والسعي في الأرض فساداً، وليس هناك من وئام بين الشفاعة