Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٩٦معالم الحق
بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، واستدل على ذلك بما رواه أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر
مرفوعا «الورود: الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فيكون على المؤمنين بردا وسلاما»» 890. به وقال ابن عبد البر: (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أَبِي هِرَيْرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: «لاَ يَمُوتُ لأحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَتَمَسَهُ النَّارُ، إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمَ». هكذا روى هذا الحديث مالك وغيره عن ابن شهاب. وفيه ان المسلم تكفر خطاياه، وتغفر له ذنوبه بالصبر على مصيبته، ولذلك زحزح عن النار فلم تمسه؛ لأن من لم تغفر له ذنوبه، لم يزحزح عن النار والله أعلم أجارنا الله منها 891.
بمعنى
وقال ابن عبد البر أيضاً: «وقد يحتمل أن يكون قوله: «إلا تحلة القسم - استثناء منقطعا. لكن تحلة القسم، وهذا معروف في اللغة واذا كان ذلك كذلك، فقوله: لن تمسه النار إلا تحلة القسم أي لا تمسه النار أصلا كلاما تاما. ثم ابتدأ إلا تحلة القسم، أي لكن تحلة القسم لا بد منها في قول الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا له وهو الجواز على الصراط أو الرؤية، والدخول دخول سلامة، فلا يكون في شيء من ذلك مسيس يؤذي … ومما يدل على أن الاستثناء ها هنا منقطع، وانه غير عائد الى النار لا تمس من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم … وبهذا الحديث يفسر الأول: لأن فيه ذكر الحسبة قوله: «فيحتسبهم، ولذلك جعله مالك بأثره مفسرا له .. والوجه عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار أنها لمن حافظ على أداء فرائضه واجتنب الكبائر، والدليل على ذلك أن الخطاب في ذلك العصر لم يتوجه إلا الى قوم الأغلب من أعمالهم ما ذكرنا وهم الصحابة رضوان الله عليهم» 192. وقال ابن تيمية: «وأما الورود المذكور في قوله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلا وَارِدُهَا مريم: " فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح رواه مسلم في صحيحه عن جابر: «بأنه المرور على الصراط» والصراط هو الجسر؛ فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة، من كان صغيراً في الدنيا ومن لم يكن 893. وقال ابن حزم: «وقد قال الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً» (مريم: 21) فهذا عموم، ولا يجوز أن يقال: إن محمداً عليه السلام، والأنبياء يدخلون جهنم 894. وقال النووي: «و «تحلة القسم) قول الله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلا وَارِدُهَا اه والورود هو: العبور على
الصراط، وهو جسر منصوب على ظهر جهنم، عافانا الله منها» 895
وقال الإمام الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم فناج مسلم ومكدس فيها 896. فمن هذه النقولات التي نقلناها هنا عن ابن عاشور، وابن حجر، وبدر الدين العيني، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن حزم، والنووي، والطبري ندرك تمام الإدراك أنهم لا يقولون مسألة دخول الأتقياء النار ثم الخروج منها، بعكس ما صورته الروايات الضعيفة ونازعت لأجل إثباته كثير من الأقلام. ويؤكد ابن عاشور هذا المعنى بقوله: (فليس الخطاب في قوله وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا له الجميع الناس مؤمنهم وكافرهم على معنى ابتداء كلام؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين يردون النار مع الكافرين ثم يُنجون من عذابها، لأن هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة … فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى: ﴿وَإِن جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: (43) عقب قوله وَ إِنْ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنَ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الحجر: (42). فلا يتوهم أن جهنم موعد عباد الله المخلصين مع تقدم ذكره لأنه ينبو عنه مقام الثناء 897.
96