Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٩٧new معالم
من كل ما سبق نقله نتبين أن فكرة دخول الأتقياء جهنم - حسب الروايات الضعيفة التي حشرت عند تفسير قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا الله - لا تصح وقد رفضها كثير من العلماء، وهذا هو الحق الذي سطره العلامة ابن عاشور.
العنصر الثاني: فكرة العبور على الصراط وسقوط العصاة في النار ثم إخراجهم منها. وأما تفسير ورود جهنم بالعبور على الصراط - حسب أقوال العلماء الذين نقلنا عنهم أعلاه – فهو تفسير قد عده ابن عاشور بعيدا.
قال ابن عاشور: (ومنهم من تأوّل ورود جهنّم بمرور الصراط، وهو جسر على جهنم، فساقوا الأخبار
المروية في مرور الناس على الصراط متفاوتين في سُرعة الاجتياز. وهذا أقل بُعداً من الذي قبله 898. وقال ابن عاشور أيضاً: (وهذه الآية مثار إشكال ومحط قيل وقال؛ واتفق جميع المفسرين على أن المتقين لا تنالهم نار جهنم، واختلفوا في محل الآية فمنهم من جعل ضمير منكم الله الجميع المخاطبين بالقرآن، ورووه عن بعض السلف فصدمهم فساد المعنى ومنافاة حكمة الله والأدلة الدالة على سلامة المؤمنين يومئذ من لقاء أدنى عذاب، فسلكوا مسالك من التأويل، فمنهم من تأوّل الورود بالمرور المجرد دون أن يمس المؤمنين أذى، وهذا بعد عن الاستعمال، فإن الورود إنما يراد به حصول ما هو مودع في المورد لأن أصله من ورود الحوض. وفي آي القرآن ما جاء إلا لمعنى المصير إلى النّار كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (18) لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (الأنبياء: 18، 19) وقوله لا يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِنَسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} (هود: (18) وقوله وَنُسُوقُ المجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدانَ» (مريم) على أن إيراد المؤمنين إلى النار لا جدوى له فيكون عبثاً، ولا اعتداد بما ذكره له الفخر مما سماه فوائد 899 900. والمتتبع لجميع الروايات التي فيها مشهد الخلائق وهم في أرض المحشر وقد جاءهم رب العالمين في صورة - تعالى الله. عن هذا الوصف، ومشهدهم وهم على الصراط، ومشهد عبور المتقين عليه إلى الجنة، ومشهد تساقط العصاة في النار، ومشهد خروجهم من النار إلى الجنة، يجدها روايات ضعيفة سنداً ومتناً أو متناقضة فيما بينها، كما سيتضح في صفحات هذا البحث بإذن الله سبحانه وتعالى. ويجد المتتبع كذلك أن تلك المشاهد التي صورتها تلك الروايات تختلف تمام الاختلاف عن تلك المشاهد التي صورها القرآن الكريم والصحيح من الأحاديث. وبعد دراسة تلك المشاهد والصور يدرك القارئ أن فكرة الصراط، وفكرة خروج عصاة المسلمين من النار بعد دخولهم فيها لا دليل عليهما يقوى للاعتماد عليه في تأسيس أي معتقد إسلامي.
العنصر الثالث من مشاهد يوم القيامة كما جاء في كلمات هذه الآيات. وبالنظر في كلمات هذه الآيات الكريمة، نستطيع أن نرى المشاهد وهي ماثلة أمامنا بكل مقوماتها من حيث المكان والزمان، والأشخاص، وحركة الخلائق كل حسـ رهم في ذلك المكان والزمان. فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِ عَنْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحْمَنِ عِتِيّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّا * وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِبًا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقُوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا.
فالمكان: ساحة المحشر الذي وصفه الله تعالى به لا حَوْلَ جَهَنَّمَ الله
97