معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_112_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

الفصل الأول

100

بمشيئته. فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة الله. والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها الله بمشيئته كذلك. فالمشيئة فاعلة ومطلقة والحساب والجزاء إنما يقومان على اتجاه الإنسان الذي يملكه

وإن كان الاستعداد للاتجاه المزدوج هو في الأصل من مشيئة الله (525). وقال الطباطبائي: «ولما لم يؤمن أن يتوهموا منه أن الأمر يدور مدار مشيئة جزافية غير منتظمة أشار إلى دفعه بتبديل قولنا: ويهدي إليه من يشاء من قوله: {وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) فبيَّن أن الأمر إلى مشيئة الله تعالى جارية على سنة دائمة ونظام متقن مستمر وذلك أنه تعالى يشاء هداية من أناب ورجع إليه ويضل من أعرض ولم ينب» (526).

وقال الطبرسي: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ) [آل عمران: 129] من المؤمنين ذنوبهم فلا يؤاخذهم بها ولا يعاقبهم عليها رحمة منه وفضلاً وَيُعَذِّبُ مَن يساهُ﴾ أي: ويعذب الكافرين ومن يشاء من مذنبي المؤمنين إن مات قبل التوبة عدلاً ويدلّ عليه مفسراً قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ وتغفر ما دون ذلكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48، 116] ولولا ذلك لكنا نجوز العفو على الجميع عقلاً.

دمة

(525) في ظلال القرآن المجلد 2 ص 1081. وقال سيد قطب في موضع آخر (المجلد 1/ ص 312 - 313): وفي الوقت ذاته يقرر القرآن حقيقة أخرى أن. من أراد الهداية وسعى لها سعيها وجاهد فيها فإن الله لا يحرمه منها، بل يعينه عليها: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (ليطمئن كل من يتجه إلى هدى الله أن مشيئة الله ستقسم له الهدى وتؤتيه الحكمة، وتمنحه ذلك الخير الكثير». وقال سيد قطب أيضاً: (المجلد 4/ ص 2060): «قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ .. فالله يهدي من ينيبون إليه. فالإنابة إلى الله هي التي جعلتهم أهلاً لهداه. والمفهوم إذن أن الذين لا ينيبون هم الذين يستأهلون الضلال، فيضلهم الله فهو استعداد القلب للهدى

وسعيه إليه وطلبه، أما القلوب التي لا تتحرك إليه فهو عنها بعيد».

(526) تفسير الطباطبائي، 355/ 11، من تفسير الآية 27 من سورة الرعد.

١٥٣ / ٥٤٨