Alsaidia_428_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩الفصل الثالث: الخصائص الفنية في رسائل الشيخ أحمد بن حمد ا
الخليلي
بر
209
أما في الرسالة الثانية، فجاء بصنفين من الشعراء، وازن بينهما في استعمالهم للأغراض الشعرية؛ فالصنف الأول يرقى به طموحه إلى أوج العلا؛ فيسخّر ملكاته في الخير والصنف الثاني ينزل به الخذلان؛ فيتدنى إلى حضيض الدركات السفلى من الفساد والشر؛ فهذان الصنفان هما بين الارتقاء والانحطاط؛ فالمقابلة جسّدت بجلاء هذا الأمر، حيث مال الشيخ إلى تحقيقها بانتقاء كلمات متضادة مع بعضها بعضا، «يرقى ـ ينزل»، طموحه ـ الخذلان»، «فيسخّر - فيتدنى»، «أوج العلا ـ حضيض الدركات السفلى»، «الخير - الفساد والشر»، فتُظهر هذه المقابلة حالة الرفعة والسمو التي ينالها الشاعر من جراء سلوكه سبل السلام، وحالة التخلف والانحطاط التي تحلّ بالشاعر الآخر الذي يسلك سبل الهوان؛ فاستطاعت المقابلة إيصال فكرة التفريق بين الصنفين في تعاطيهما للأغراض الشعرية، بين ذكر إيجابيات الأول، وبها اتضحت بصورة أكثر سلبيات الثاني، حيث قربت
المعنى المراد، وزادته عمقا ورسوخا.
(5) مقابلة ستة معان بستة أخرى:
يقول الشيخ الخليلي: «ناهيك إن سخروا ملكاتهم في نصرة الحق، ورفع مناره، وإبراز محاسنه، ودفع الظلم، وزعزعة أركانه، وتعرية مساوئه»). فقابل بين «نصرة - دفع»، و «الحق - الظلم»، و «رفع - زعزعة»، و «مناره ـ أركانه»، و «إبراز ـ تعرية»، و «محاسنه ـ مساوئه»، فهذه المقابلات الكثيرة بأضدادها تؤكد ما ينبغي أن تُوَجَّهَ إليه الموهبة الشعرية من مناصرة الحق، والوقوف صفا منيعا ضد الظلم، وأنها أظهرت تعادلا منتظما في الألفاظ والمعاني معا، وبدا ذلك واضحا في جمالية إيقاعه، وهندسة رصه، وجميل انتقائه.
(1) عطية، فتحي شحاتة: أبو مسلم البهلاني حياته وشعره»، (مرجع سابق)