Alsaidia_304_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠***
فصول الأصول
***
اتبعك من الغاوين)، ومعلوم أن الغاوين وهم العاصون اكثر من المطيعين، وكذلك قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم (2)، فخرج بهذا الاستثناء أكثر الشحوم كما ترى، ولشيوع العمل بهذا – أيضا – بين فقهاء الأمصار فإنهم أجمعوا أن من قال: علي لزيد عشرة إلا تسعة أنه لا يلزمه إلا درهم واحد. فأدلة المانعين (3) لا تقاوم ما ذكرناه كما ترى، فثبت الجواز، والحمد لله، والله أعلم. والاستثناء من النفي إثبات وبالعكس، أي: الاستثناء من الإثبات نفي خلافا لأبي حنيفة فيهما (4) وقيل: لا يكون الاستثناء من الإثبات نفيا (5).
فقال أبو حنيفة: إن المستثنى من حيث الحكم مسكوت عنه، فنحو: ما قام أحد إلا زيد، وقام القوم إلا زيدا، يدل الول على إثبات القيام لزيد، والثاني على نفيه عنه، وقال هو: لا يدل، وزيد مسكوت عنه من حيث القيام وعدمه، ومبنى الخلاف على أن المستثنى من حيث الحكم مخرج من المحكوم به، فيدخل في نقيضه من قيام أو عدمه - مثلا - أو مخرج من الحكم فيدخل في نقيضه، أي: لا حكم، لأن القاعدة أن ما خرج من شيء دخل في نقيضه، وجعل الإثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع، وفي الإستثناء المفرغ نحو ما قام إلا زيد، بالعرف العام، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة الحجر (مكية) آية رقم 42.
(2) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 146. (3) من أدلة المانعين
أ- أن الاستثناء خلاف الأصل، فهو بمنزلة الإنكار بعد الإقرار، والجحد بعد الاعتراف، غير أن خالفنا هذا الأصل في الأقل لأجل أن الشيئ القليل معرض للنسيان لقلة التفات الإنسان إليه بخلاف الأكثر، فإن الإنسان يلتفت إليه ويهتم به، فيكون متذكرا إياه وحافظا له.
ب - أن العرب تستقبح استثناء الأكثر وتستحمق قول القائل: أكرمت مائة إلا تسعة وتسعين. ورد هذان الدليلان بالآتي: أ- أما الأول فضعيف من جهة أن الاستثناء مع المستثنى منه إنما هو كاللفظ الواحد الدال على ذلك القدر، فكما لا ي ا يجوز حذف صدر اللفظ أو عجزه لسقوط إفادته فكذلك هنا، إذ المتكلم قصد إخراج بعض أفراد المستثنى منه، فعلى هذا لا يعتبر خلاف الأصل. ب وأما الثاني، فإن ذلك لا يمنع من صحة استعماله، وقد استعمل في كلام الله تعالى، فلا مجال لهذا الاستدلال. الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 171، الرازي (المحصول) ج 2 ص 38، المدي (الأحكام) ج 2 ص 321 الإسنوي (نهاية السول) ج 3 ص 253.
(4) البخاري (كشف الأسرار) ج 3 ص 253.
(2) المحلي (شرح المحلى على جمع الجوامع) ج 2 ص 15.