كتاب فصول الأصول خلفان بن جميل بن حرمل السيابي أبو يحيى

Alsaidia_304_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٥٩

559

***

فصول الأصول

***

تدل على اللطيف الخبير. انتهى، وما يذعن أحد الأعراب أو غيرهم للإيمان، فيأتي بكلمتي الشهادة إلا بعد أن ينظر فيهتدي لذلك.

ونقل عن الأشعري أنه لا يصح إيمان المقلد، وشنع أقوام عليه بذلك بأنه يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين (1)، وقال القشيري: هذا القول مكذوب على الأشعري (2)، والتحقيق في هذه المسألة أن التقليد جائز في القطعيات كالظنيات إن كان أخذا لقول الغير بغير دليل مع غلبة الظن بحقه وصوابه في الظنيات، ومع الجزم بذلك في القطعيات لأنها لا تحتمل الشك بخلاف الأولى، ولكن في القطعيات لا يعذر المقلد - بالفتح - ولا المقلد - بالكسر - إن صادفا خطأ بخلاف الظنيات فالحق فيها مع الكل كما تقدم.

وأما إن كان التقليد أخذا القول الغير مع عدم النظر فيه، وعدم المبالاة بحقه أو باطله فذلك حرام مذموم، ويجب على كل مكلف أن يعتقد أن العالم محدث، وهو ما سوى الله سبحانه وتعالى، لأنه متغير، وتغيره مدرك بالمشاهدة، وكل متغير محدث، أي: موجود بعد عدم، وله صانع يعلم بالضرورة أن المحدث لا بد له من محدث، وذلك الصانع هو الله الواحد ذاتا وصفة وفعلا وعبادة، فلو جاز كونه اثنين لجاز أن يريد أحدهما شيئا والآخر ضده الذي لا ضد له غيره كحركة زيد وسكونه، فيمتنع وقوع المرادين وعدم وقوعهما لامتناع ارتفاع الضدين المذكورين واجتماعهما، فيتعين وقوع أحدهما، فيكون مريده هو الإله دون الآخر لعجزه، فلا يكون الإله إلا واحدا، والواحد الشيء الذي لا ينقسم بوجه من الوجوه، ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء بوجه من وجوه الشبه، فهو شيء لا كالأشياء، وهو قديم لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء، ولم يزل وحده ولا مكان ولا زمان، ثم أحدث هذه العوالم المشاهدة من السموات والأرض وما فيها وما بينها وما فوقها وما تحتها أحدث ذلك لا لحاجة منه تعالى لشيء منه، ولو شاء ما اخترع شيئا من ذلك، فهو غني عن

(1) قال ابن السمعاني: إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن الصواب، ومتى أو جبنا ذلك فمتى من يوجد من العوام من يعرف ذلك .. فمن يجد المسلم من قبله أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع .. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 326، وينظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)

ج 2 ص 403 - 404.

(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 404، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 326.