Alsaidia_304_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٦٦***
فصول الأصول
***
(تتمة)
أول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى، هي الأساس وعليها ينبني سائر التكليفات، وقيل: أول الواجبات النظر المؤدي إليها، وقيل: أول النظر لتوقف النظر على أول أجزائه، وقيل: قصد النظر لتوقف النظر على قصده، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن من علت به همته وطابت طويته يربأ بنفسه عن سفاسف الأمور وديناتها من الأخلاق المذمومة كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال والطيش والفخر والخيلاء والعجب والاحتقار للغير أو التعاظم في نفسه والظلم لغيره ونحوها، ويجتح بها إلى معالي الأمور من الأخلاق المحمودة كالتواضع والصبر وسلامة الباطن والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، فهذه ونحوها دليل على علو همة الرجل كما قال - -: إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره صلى الله سفاسفها (1)، ومن عرف ربه فخاف عقابه ورجا ثوابه وأصغى إلى أوامره ونواهيه، فامتثل مأموراته واجتنب منهياته، وسارع جهده إلى مندوباته، أحبه مولاه، وقربه وأدناه، فكان سمعه وبصره ورجله التي بها يمشي، ويده التي بها يبطش، فإن استعاذه اعاذه وإن استنصره نصره، وإن سأله أعطاه، وإن استهداه هداه، فطوبى لعبد عرف مولاه فأطاعه فيما أمره، ونهاه ورفض هواه و آثر آخرته على دنياه، وترك ما يحبه لما يخشاه، وشكر نعماه، وصبر على بلواه، وأجهد نفسه في طاعته ورضاه، وراضها بصنوف عبادته وتقواه، ورحم الله عبدا سمع حكما فوعى، ودعي إلى حق فدنا، واخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربه، وخاف ذنبه، قدم خالصا، وعمل صالحا، وكسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمي غرضا فأحرز عوضا، کابر هواه، وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود خير العمل، وقصر الأمل، وتورع عن المحارم، واجتنب مظان الظلم والمآثم، فلم يخش إلا الله، ولم يراقب أحدا سواه.
(1) الحديث أورده علاء الدين الهندي بلفظ إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها، الهندي (كنز العمال) حديث 5180 ج 3 ص 10.