Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ١١٢السيرة النبوية.
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِيدَاءَ الْقَوْلِيَّ فِي حَقٌّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَوَصْفَهُ بِتِلْكَ الصَّفَاتِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْجُنُونِ وَالسِّحْرِ، لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ فِي حَضْرَتِهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ فِي غَيْبَتِهِ،
وَقَصْدُهُمْ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرُ النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَأَنَّرُوا بِدَعْوَتِهِ. أَمَّا الْإِيذَاءُ بِالْفِعْلِ فِي حَقِّهِ، فَلَا نَظُنَّ أَنَّ هُنَاكَ يَدًا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَدَّ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَادَةٌ قُرَيْشٍ، وَأَشْرَافُهَا، وَهُمْ فِي حَلَّ الذَّرْوَةِ مِنْهَا مَكَانَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ فَأَيُّ رَجُلٍ ذَلِكَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالْفِعْلِ؟ وَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ تَعَرَّضُوا لِلْأَذَى وَالتَّعْذِيبِ إِنَّمَا تَعَرَّضُوا لَهُ مِنْ قِبَلِ أَهْلِهِمْ وَأَقَارِيهِمْ وَمَوَالِيهِمْ، وَلَمْ يَجْرُؤُ أَحَدٌ مِنْ قَبِيلَةٍ مَا أَنْ يَنَالَ أَحَدًا مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى بِالْأَذَى وَالتَّعْذِيبِ لِوُجُودِ الحَمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ الْقَبَلِيَّةِ
فيهم.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطٍ أَلْقَى سَلَا الْجُزُورِ عليه عِنْدَمَا رَأَىهُ سَاجِدًا بِجِوَارِ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ عُقْبَةَ أَذَلُّ وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ، وذلك لِشَجَاعَتِهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلًا وَلِأَنَّهُ مُخاط بِأَعْمَامِهِ، وَبَنِي أَعْمَامِهِ، ثَانِيَا فَهُمْ كَانُوا يَحْمُونَهُ وَيَعْطِفُونَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ عَمُّهُ حِينَ أَبْلغَ أَنَّ أَبَا جَهْلِ تَلَفَّظَ بِكَلَامٍ غَيْرِ لَائِي فِي حَقٌّ مُحَمَّدٍ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَشَجَّهُ قَائِلًا لَهُ: أَتَسْتُمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ؟ وَمِنْ ذَلِكَ الْحِينِ اعْتَنَقَ حَمْزَةُ الْإِسْلَامَ غَيْرَةً وَحَمِيَّةٌ لِابْنِ
أَخِيهِ، ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّهَ، وَأَصْبَحَ حَمْزَةُ أَسَدَ اللَّهُ وَأَسَدَ رَسُولِهِ.
112