Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ١١٥السيرة النبوية
الهِجْرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ
اشْتَدَّ الْأَذَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَنْكِيلًا وَتَعْذِيبًا، وَكَانَ الرَّسُولُ فِي وَضْعِ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالهِجْرَةِ إِلَى الْخَبَشَةِ، قَائِلًا هُمْ: إِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ تَخَرَجًا لِمَا أَنْتُمْ فِيهِ، وَهَاجَرَ أَوَّلَ الْأَمْرِ عَدَدٌ قَلِيلٌ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى بَلَغُوا ثَلَاثَةٌ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَمَعَ بَعْضِهِمْ زَوْجَاتُهُمْ كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَزَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَزَوْجَتِهِ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتِ أُمَيَّةَ وَأُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ التي أَكْرَمَهَا اللَّهُ فِيمَا بَعْدُ بِتَزَوجِهَا مِنَ النَّبِيِّ
لِأَنَّ زَوْجَهَا عُبَيْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ تَنَصَّرَ وَمَاتَ عَنْهَا هُنَالِكَ.
وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى مَكَّةَ وَإِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَعَلَّ آخِرَهُمْ عَوْدَةٌ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بَعْدَ عَوْدَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ،
وَقَالَ: وَالله مَا أَدْرِي بِأَيْهَا أَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أمْ بِقُدُومٍ جَعْفَرٍ.
غَيْرَ أَنَّ بَعْدَ هِجْرَةِ المُسْلِمِينَ إِلَى الخَبَشَةِ وَتَجَمْعِهِمْ هُنَالِكَ وَاسْتِقْرَارِهِمْ وَاطْمِثْنَانِهِمْ بِهَا، لَمْ تَتْرُكْهُمْ قُرَيْضٌ وَشَأْتَهُمْ، بَلْ تَعَقَّبُوهُمْ إِلَى هُنَاكَ، مُحَاوِلِينَ التَّأْثِيرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ حَاكِمِ الحبشة، لِكَيْ يَرُدَّهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ، وَلَا يُتِيحَ هُمُ الْإِقَامَةَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الْمُهِمَّةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَبَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ مُسْتَمِينَةٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ لِلتَّأْثِيرِ عَلَى النَّجَانِيِّ، لَمْ يُوَافِقُ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ وَتَسْلِيمِهِمْ إِلَى قُرَيْشٍ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ له مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَخُطُوطَهُ الْعَرِيضَةَ، وَقَوْلَ الإسلام في المسيح عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأُمِّهِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَأَدْرَكَ النجاشي