السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

السيرة النبوية.

شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَعِنْدَ خُرُوجِهِمَا مِنْ مَكَّةَ فِي طَرِيقِهِمَا إِلَى الْغَارِ كان أَبو بَكْرٍ أَمَامَ النَّبِيِّ تَارَةً وَتَارَةٌ خَلْفَهُ وَمَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَأَجَابَهُ الصِّدِّيقُ: بِأَنَّنِي أَتَذَكَّرُ الرَّصْدَ فَأَتَقَدَّمُ، وَأَتَذَكَّرُ الطَّلَبَ فَأَتَأَخَّرُ، وَأَكُونُ جَانِبًا لِآمَنَ

عَلَيْكَ (1).

وَمَكَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَتَكُونُ لَيْلَتَانِ غَيْرَ اللَّيْلَةِ الَّتِي وَصَلَا فِيهَا. عَلِمَتْ قُرَيْشُ بِخُرُوج النَّبِيِّ نَهارَ الْغَدِ، وَأَصَابَهُمُ الارْتِبَاكُ وَالجُنُونُ؛ لأنهُمْ فَقَدُوا حَرَكَتَهُ بِمَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ الَّتِي مَا كَانَ يُفَارِقُهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَذَهَبُوا إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَذَهَبُوا إِلَى مَنزِلِ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَجِدُوهُمَا، وَهُنَاكَ تَفَرَّقُوا شِيبًا وَشَبَابًا فِي جَمِيعِ جِهَاتِ مَكَّةَ الْأَرْبَع بَحْثًا عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لَعَلَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ عَلَى أَثَرِ اسْتَعْمَلُوا الْقِيَافَةَ (2)، مِنَ الرِّجَالِ، وَاتَّجَهَ الْقَائِفُ أَوِ الْقَافَةُ إِلَى جِهَةِ جَبَلِ ثَوْرٍ مُتَّبِعِينَ أَثَرَ مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ حَتَّى قَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى غَارٍ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَلَكِنَّهُمْ صُدِمُوا بِوُجُودِ شَجَرَةٍ غَطَّتْ فُوَّهَةَ الْغَارِ، وَقَدْ نَسَجَ الْعَنْكَبُوتُ عَلَيْهَا خُيُوطَهُ، وَعَلَيْهِ حَمَامَتَانِ تُغَرِّدَانِ وَقَدْ بَاضَتَا (3)، فَحَارُوا مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا، فَالْأَثَرُ لِقَدَمِ مُحَمَّدٍ

(1) أَطْفَيَّشُ: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، تَبْشِيرُ التَّفْسِير، ج 6، ص 23 طَبْعَةُ الْجَزَائِرِ.

(2) الْقِيَافَةُ هِيَ تَتَتَّبَعُ أَثَرِ الْأَقْدَامِ.

(3) هُنَاكَ مَنْ يُنْكِرُ وُجُودَ الشَّجَرَةِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالحتمامِ عَلَى الْغَارِ، وَلَكِنَّنِي أَوْرَدْتُهَا لِاحْتِمَالِ صِحَّتِهَا،

148

١٤٥ / ٦٢٠