Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٥٦السيرة النبوية.
أَنَّهُمْ كَانُوا يُشَكِّلُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَقَلَّيَّةٌ مُؤْمِنَةٌ فِي مُجْتَمَعِ وَثَنِي سَوَاءٌ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي مِنْطَقَةِ الْحِجَازِ أَوْ فِي الْمِنْطَقَةِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، حَتَّى بَعْضُ الدِّيَانَاتِ دَخَلَتْهَا الْوَثَنِيَّةُ بِشَكل أَوْ بِآخَرَ، أَيْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُؤْمِنِينَ يُشَكِّلُونَ أَفَليَةٌ بسيطة في مجتمع مُشْرِك وَثَنِي، فَانْتِقَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ هُوَ تَرْكٌ لِتِلْكَ الحَيَاةِ الْوَثَنِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي مَكَّةَ بِكُلِّ مَعَانِيهَا، وَسُلُو كَاتِهَا، وَالتَّطَلُعُ إِلَى بِنَاءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ وَإِنْشَاءِ كِيَانٍ يَحْمِي الْإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ.
فَالهِجْرَةُ إِذَنْ هِيَ التَّخَلِّي عَنْ حَيَاةٍ سَابِقَةٍ عَمَلُوءَةٍ بِصُرَاحَ الْوَثَنِيَّةِ وَالشِّرْكِ إِلَى حَيَاةٍ إِسْلَامِيَّةِ إِيمَانِيَّةِ مِلْؤُهَا الْإِخَاءُ وَالإِيمَانُ وَالْمَحَبَّةُ وَالسَّلامُ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الهِجْرَةِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ الاِنْتِقَالِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَنَّهُ هَجْرُ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ، فَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:" لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، فَالهِجْرَةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نُسِخَتْ بِفَتْح مَكَّةَ، فَبَعْدَ فَتح مَكَّةَ لَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ هِجْرَةٌ بِهَذَا المفهوم، صَحِيحٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُهَاجِرُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَأْمُورٌ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وَالْعِلْمِ وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ، لَا بِذَلِكَ المُفهومِ أَي مَفْهُومُ الْهِجْرَةِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْعَامِ الْأَوَّلِ وَالْعَامِ الثَّامِنِ لِلْهِجْرَةِ أَيْ لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَفَتْحُ مَكَّةَ كان فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ النَّامِنِ الهِجْرِي وبَعدَ ذَلِكَ نُسِخَ الأمرُ لِأَنَّهُ لَا أَحَدٌ يُهَاجِرُ لِأَنَّ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَام وَنَعُودُ لِنُوَكَّدَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْحِجْرَةَ لَيْسَت انْتِقَالا مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ؟ وَإِنَّمَا هِيَ تَرْكُ وَهَجْرٌ وَتَخَلَّ عَنْ حَيَاةِ إِلَى حَيَاةٍ أُخْرَى، وَهُنَا