السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٥٧

السيرة النبوية.

يَتَسَاءَلُ الْإِنْسَانُ لِمَاذَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ المَدنِ، فَقَدْ كَانَتْ هُنَاكَ مُدُنٌ أُخْرَى فِي الجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ نَاهِيكَ عَنِ المُدنِ الْأُخْرَى غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، لِمَاذَا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهَا النَّبِيُّ؟ لِمَاذَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُسَمَّى يَثْرِبَ، فَهُنَا مَغْزّى آخَرُ: لِأَنَّ هُنَاكَ خَصَائِصَ فِي المَدِينَةِ.

أَوَّلا: عَلَى أَنَّ الموجُودِينَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ هُمُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَهُمَا قَبِيلَةٌ أَزْدِيَّةٌ قَحْطَانِيَّةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَلَعَلَّهُ قَدْ كان هُنَاكَ شَيْءٌ مِنَ الْمُنافَسَةِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا قَبِيلَةٌ عَدْنَانِيَّةٌ فَالْعَرَبُ لَا سِيَّمَا الْقَبَائِلُ الْعَدْنَانِيَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَنْظُرُونَ إِلَى قُرَيْشٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْقَدَاسَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ قُرَيْشًا حُمَاةُ الْحَرَمِ وَسَدَنَتُهُ، وَالْقَبَائِلُ فِي الْحِجَازِ هُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ الْعَدْنَانِيَّةِ سَوَاءٌ فِي الطَّائِفِ وَغَيْرِهَا، وَالْقَبَائِلُ الْعَدْنَانِيَّةُ تَنْظُرُ أَكْثَرَ إِلَى قُرَيْشٍ نَظْرَةٌ تَقْدِيسِيَّةٌ، أَمَّا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فَهُمَا قَبِيلَةٌ قَحْطَانِيَّةٌ وَلَعَلَّ هَذَا جَعَلَهُمْ يَحْتَضِنُونَ الدَّعْوَةَ الْإِسْلَامِيَّة وعَلَى رَأْسِهَا النَّبِيُّ، بَيْنَما لَمْ تَتَجَاسَرْ عَلَى ذَلِكَ الْقَبَائِلُ الْعَدْنَانِيَّةُ.

ثانيا: المدينةُ مِنْطَقَةٌ مُكْتَفِيَةٌ ذَاتِيَّا بِالْإِنْتاجِ الْغِذَائِيِّ فَهِيَ مِنْطَقَةٌ زِرَاعِيَّةٌ خِصْبَةٌ فِيهَا مِنَ التُمُورِ وَالحُبُوبِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَاصِيلِ الزَّرَاعِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُزْرَعُ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ. ثَالِثًا: المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ تَمتَازُ بِالتَّحْصِينِ فَهِيَ مَدِينَةٌ مُحَصَّنَةٌ نِسْيًّا مِنَ الْعَدُوِّ، فَهُنَاكَ حَرَّاتٌ مِثْلُ حَرَّةِ وَاقِمٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ الشَّمَالِيِّ، وَحَرَّةِ الْوَبَرَةِ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ الشَّمَالِيِّ، وَهُنَاكَ مِنَ الجُنُوبِ المُزَارِعُ وَالنَّخِيلُ وَالطُّرُقُ الضَّيِّقَةُ فَهِيَ مَفْتُوحَةٌ مِنَ الْجِهَةِ

الشَّمَالِيَّةِ نِسْبِيًّا.

١٥٤ / ٦٢٠