السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

السيرة النبوية.

وَفِي رَأْيِي أَنَّهَا لَمْ تُبْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا بُنيَتْ عَلَى مَرَاحِلَ حَسَبَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ مِنَ الزَّوْجَاتِ آنَذَاكَ سِوَى سَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ، ثُمَّ بَنَى بِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ زَوْجَانِهِ الْأُخْرَيَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَنْ تِسْع زَوْجَاتٍ بِيُوتٍ تِسْعَةٍ أَي تِسْع حُجُرَاتٍ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْبُيُوتَ بَعْضُهَا بُنِي مِنْ جَرِيدٍ مُطَيَّنِ بِالطِّينِ، وَسَقْفُهَا مِنَ

الجَرِيدِ، وَبَعْضُهَا مِنْ حِجَارَةٍ مَرْصُوفَةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَمُسَقَّفَةٌ بِالْجَرِيدِ. وَلا تُوُفِّيَتْ أَزْوَاجُهُ أُدْخِلَتِ الْحُجُرَاتُ في المَسْجِدِ، وَذَلِكَ عَلَى عَهْدِ الخَلِيفَةِ الْأُمَوِيِّ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَما وَرَدَ كِتَابُهُ بِذَلِكَ، ضَجّ أَهْلُ المَدِينَةِ بِالْبُكَاءِ كَيَوْمٍ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ طَافَتِ الذِّكْرَيَاتُ عليهم بِنَبِيِّهِمُ الْكَرِيمِ الْعَظِيمِ الَّذِي كَانَ يَرُوحُ وَيَعْدُو بَيْنَهُمْ وَقَدْ كَانَ سَرِيرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَشَبَاتٍ مَشْدُودَةٌ بِليف، ثُمَّ بِيعَ ذَلِكَ السَّرِيرُ النَّبوِيُّ المُبَارَكُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُباع بالملايين، وقد اشْتَرَاهُ أَحَدُ الَّذِينَ حَالَفَهُمُ الحَقِّ الْإِيمَانِيُّ المُبَارَكُ السَّعِيدُ (1). تَلَاحُقُ الْمُهَاجِرِينَ:

وَبَعْدَ أَنِ اكْتَمَلَ بِنَاءُ المَسْجِدِ الشَّرِيفِ وَالْبَيْتِ النَّبَوِيِّ وَاسْتَقَرَّ النَّبِيُّ بِالمَدِينَةِ، أَخَذَ المُهَاجِرُونَ فِي المَجِيءِ إِلَى المَدِينَةِ مُتَلَاحِقِينَ يَلْحَقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي مَكَّةَ

(1) سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ ص 234، 235

172

١٦٩ / ٦٢٠